الشيخ محمد النهاوندي
409
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ لمّا كان عمدة إنكار المنكرين بالنظر إلى استبعاد الإعادة المبنيّ على عدم المعرفة بقدرة اللّه ، ذكر سبحانه الشواهد على كمال قدرته بقوله : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ بقدرتنا لكم مِهاداً وفراشا تتقلّبون عليها كما تتقلّبون على فرشكم وَالْجِبالَ الرواسي في الأرض أَوْتاداً لها لتسكن ولا تميد بأهلها وَخَلَقْناكُمْ من الماء المهين أَزْواجاً وأصنافا ذكرا وأنثى ، ليسكن كلّ صنف إلى الآخر ، وينتظم أمر المعاش والمعاشرة والتناسل وَجَعَلْنا وصيّرنا نَوْمَكُمْ لطفا بكم سُباتاً وقاطعا لحركات أعضائكم ، وراحة لكم ، ورافعا لتعبكم وَجَعَلْنَا وصيّرنا اللَّيْلَ المظلم لكم لِباساً وساترا لكم بظلمته عن عيون الناس ، كما يستر الناس عن عيونكم ، فتستريحون فيه ، وتقفون عن الحركة في مطلب المعاش وَجَعَلْنَا النَّهارَ لكم مَعاشاً وزمان اكتساب الرزق والتقلّب في وجه الأرض لطلب المعاش وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ من السماوات سَبْعاً غير العرش والكرسيّ شِداداً وغلاظا غلظ كلّ سماء مسيرة خمسمائة عام ، أو محكمات الخلق لا يؤثّر فيها مر الدهور وكرّ العصور ، ولا فطور فيها ولا فروج . قيل : إنّ إطلاق البناء على السقف مع أنّه لا يستعمل إلّا في أسافل البيت « 1 » ، للدلالة على كمال الاستحكام ، أو لتنزيلها منزلة القبّات المضروبة على الخلق « 2 » . وَجَعَلْنا وخلقنا لأهل العالم سِراجاً ومصباحا وَهَّاجاً ووقّادا ، أو مضياء في الغاية . عن ابن عباس : الوهّاج مبالغة في النور « 3 » . وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ والرياح المثيرات للسّحاب ، كما عن ابن عباس « 4 » ، أو السّحاب كما في رواية أخرى عنه « 5 » ماءً ثَجَّاجاً وشديد الانصباب ومتتابع القطر عظيم النفع لِنُخْرِجَ بِهِ من الأرض حَبًّا ونباتا له الاكرام والثّمار وَنَباتاً لا أكمام له كالحشائش وَجَنَّاتٍ وبساتين أَلْفافاً ومتداخلات أو متقاربات ، لتتفكّهوا بثمارها ، فذكر سبحانه أولا أغذية الانسان بقوله : حَبًّا ثمّ ذكر علوفة الحيوانات بقوله : وَنَباتاً وبعدها ما يستلذّ به الانسان من الفواكه . [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 17 إلى 20 ] إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً ( 17 ) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً ( 18 ) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً ( 19 ) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ( 20 )
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 31 : 8 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 10 : 296 . ( 3 - 4 - 5 ) . تفسير الرازي 31 : 8 .