الشيخ محمد النهاوندي

410

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ إنّه تعالى بعد ما بيّن كمال قدرته وحكمته وإتمام نعمته على الخلق من حيث المسكن وأسباب المعيشة والراحة في الدنيا ، ذكر أحوال الآخرة بقوله : إِنَّ يوم القيامة الذي هو يَوْمَ الْفَصْلِ والقضاء بين الناس كانَ بتقدير اللّه مِيقاتاً وزمانا تنتهي إليه الدنيا أو الخلائق ، أو موعدا للجزاء على الأعمال أو لاجتماع الخلائق . ثمّ بيّن سبحانه ذلك اليوم بقوله : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ النفخة الثانية التي هي نفخة الإحياء فَتَأْتُونَ أيّها الناس بعد إحيائكم في القبور وبعثكم منها إلى المحشر حال كونكم أَفْواجاً وجماعات قيل : يأتي كلّ نبي مع امّته « 1 » ، وقيل : يعني فرقا مختلفة « 2 » . روي عن معاذ أنّه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عنه فقال : « يا معاذ ، سألت عن أمر عظيم من الأمور » ثمّ أرسل عينيه وقال : « يحشر عشرة أصناف من امّتي بعضهم على صورة القردة ، وبعضهم على صورة الخنازير ، وبعضهم منكوسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها ، وبعضهم عمي ، وبعضهم صمّ بكم ، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلّاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقدّر أهل الجمع منهم ، وبعضهم مقطّعة أيديهم وأرجلهم ، وبعضهم مصلّبون على جذوع من نار ، وبعضهم أشدّ نتنا من الجيف ، وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم . فأمّا الذين على صورة القردة فالقتّات من الناس ، وأمّا الذين على صورة الخنازير فأهل السّحت ، وأمّا المنكوسون على وجوههم فأكلة الرّبا ، وأما العمي فالذين يجورون في الحكم ، وأمّا الصمّ البكم فالمعجبون بأعمالهم ، وأمّا الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقضاة الذين تخالف أقوالهم أعمالهم ، وأمّا الذين قطّعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران ، وأمّا المصلّبون على جذوع النار فالسعاة بالناس إلى السّلطان ، وأمّا الذين هم أشدّ نتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حقّ اللّه تعالى من أموالهم ، وأموالهم ، وأمّا الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء » « 3 » . ورواه في ( المجمع ) عن النبي « 4 » . وَفُتِحَتِ السَّماءُ وانشقّت شقوقا كثيرة فَكانَتْ السماء لكثرة الشّقوق « 5 » أَبْواباً لنزول

--> ( 1 و 2 ) . تفسير الرازي 31 : 10 . ( 3 ) . تفسير الرازي 31 : 10 ، جوامع الجامع : 526 ، تفسير أبي السعود 9 : 89 ، تفسير روح البيان 10 : 299 . ( 4 ) . مجمع البيان 10 : 642 ، تفسير الصافي 5 : 275 . ( 5 ) . زاد في النسخة : كأنّها ، ولا تصحّ ، لأن لفظ الآية بعدها منصوب .