الشيخ محمد النهاوندي

368

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ بيّن سبحانه كيفية عناده بقوله : إِنَّهُ لعنه اللّه فَكَّرَ في القرآن وتدبّر وَقَدَّرَ ورتّب في خواطره كلاما لصرف الناس عنه . ثمّ أظهر سبحانه التعجّب من قوة فكره وتهيئة ردّه بقوله : فَقُتِلَ اللعين كَيْفَ قَدَّرَ ورتّب هذا الكلام وقيل : إنّ مدح كلامه على سبيل الاستهزاء ، والمراد إظهار أنّه في غاية الرّكاكة « 1 » . ثمّ بالغ سبحانه في إظهار التعجّب من كلامه بقوله : ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ورتّب كلامه الكذب من قبل نفسه ثُمَّ نَظَرَ فيما قدّر . قيل : فكّر أولا وقدّر الكلام ثانيا ، ثمّ نظر وتأمّل في ذلك المقدّر احتياطا ثالثا « 2 » أو نظر في القرآن ثُمَّ عَبَسَ وقطّب وجهه من الغضب والعناد حيث رأى نفسه عاجزا عن ردّه وإبطاله وَبَسَرَ وتغيّر وجهه واسودّ ، أو قيّض ما بين عينيه ، أو استعجل في عبوسه وأظهره في غير موقعه . ثُمَّ أَدْبَرَ عن الحقّ ، وأعرض عنه وَاسْتَكْبَرَ عن اتّباعه فَقالَ عقيب إعراضه واستكباره : إِنْ هذا القرآن الذي جاء به محمد ، وما هذا الكلام الذي يتحدّي به إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ويتعلّم من الغير ، وليس هو بكلام اللّه إِنْ هذا وما ذلك إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ . قيل : إنّ مراده من البشر يسار وجبير ، كانا عبدين من فارس ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وآله يراودهما ، وأبوه فكيهة كان غلاما روميا يتردّد إلى مكّة من طرف مسيلمة الكذّاب في اليمامة « 3 » . روي أنّ الوليد مرّ بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وهو يقرأ حم السجدة « 4 » - وقيل : فواتح حم المؤمن « 5 » - فقال لبني مخزوم : واللّه لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ، ولا من كلام الجنّ ، إنّ له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه يعلو ولا يعلى عليه . فقالت قريش صبا واللّه الوليد ، لتصبأنّ قريش ، أي بمتابعته فقال ابن أخيه أبو جهل : أنا أكفيكموه ، فقعد عنده حزينا ، وكلّمه بما أغضبه ، فقال الوليد : ألم تعلم قريش أنا أكثرهم مالا وولدا إلى أن قال : أتزعمون أنّ محمدا مجنون ، فهل رأيتموه أنّه يخلق ؟ فانّ العرب كانت تعتقد أنّ الشيطان يخلق المجنون ويتخبّطه ، أو تقولون : إنّه كاهن ، فهل رأيتموه يتكهّن ؟ أو تزعمون أنّه شاعر ، فهل رأيتموه يتعاطى الشعر قطّ ؟ أو تزعمون أنّه كذّاب ، فهل جرّبتم عليه شيئا من الكذب .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 30 : 200 ، تفسير روح البيان 10 : 229 . ( 2 ) . تفسير الرازي 30 : 200 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 10 : 231 . ( 4 ) . تفسير الرازي 30 : 202 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 10 : 229 .