الشيخ محمد النهاوندي
369
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
فقالوا في كلّ ذلك : اللهمّ لا ثمّ قالوا : فما هو ؟ وما تقول في حقّه ؟ ففكّر فقال : ما هو إلّا ساحر ، أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه ، وما الذي يقوله إلّا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل ، فارتجّ النادي فرحا ، فتفرّقوا متعجّبين منه راضين به « 1 » . وعن القمي : نزلت في الوليد بن المغيرة : وكان شيخا كبيرا مجرّبا من دهاة العرب ، وكان من المستهزئين برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقعد في الحجرة ويقرأ القرآن ، فاجتمعت قريش إلى الوليد بن المغيرة ، فقالوا : يا أبا عبد شمس ، ما هذا الذي يقول محمد ، أشعر ، أم كهانة ، أم خطب ؟ فقال : دعوني أسمع كلامه ، فدنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فقال : يا محمد ، أنشدني من شعرك ، فقال : « ما هو شعر ، ولكنّه كلام اللّه الذي ارتضاه لملائكته وأنبيائه ورسله » فقال : أتل عليّ منه شيئا فقرأ عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : حم السجدة ، فلمّا بلغ قوله : فَإِنْ أَعْرَضُوا * يا محمد قريش فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ « 2 » فاقشعر الوليد ، وقامت كلّ شعرة في رأسه ولحيته ، ومرّ إلى بيته ، ولم يرجع إلى قريش من ذلك . ومشوا إلى أبي جهل فقالوا : يا أبا الحكم ، إنّ أبا عبد شمس صبأ إلى دين محمد ، أما تراه لم يرجع إلينا . فغدا أبو جهل إلى الوليد ، وقال له : يا عم ، نكّست رؤوسنا وفضحتنا ، وأشمت بنا عدوّنا ، وصبوت إلى دين محمد ! فقال : ما صبوت إلى دينه ، ولكنّي سمعت كلاما صعبا ، تقشعرّ منه الجلود . فقال له أبو جهل : أخطب هو ؟ قال : لا . إنّ الخطب كلام متصل ، وهذا كلام منثور ، ولا يشبه بعضه بعضا . قال : أفشعر هو ؟ قال : لا ، أما انّى سمعت أشعار العرب بسيطها ومديدها ورملها ورجزها ، ما هو بشعر . قال : فما هو ؟ قال : دعني أفكّر فيه . فلمّا كان من الغد قال له : يا أبا عبد شمس ، ما تقول فيما قلنا ؟ قال : قولوا هو سحر ، فانّه أخذ بقلوب الناس ، فأنزل اللّه على رسوله : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وإنّما سمّي وحيدا لأنّه قال لقريش : أنا أتوحّد بكسوة البيت سنة ، وعليكم في جماعتكم سنة . وكان له مال كثير وحدائق ، وكان له عشر بنين بمكّة ، وكان له عشرة عبيد ، عند كلّ [ عبد ] ألف دينار يتجر بها « 3 » . [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 26 إلى 37 ] سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ( 26 ) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ ( 27 ) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ( 28 ) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ( 29 ) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ( 30 ) وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ ( 31 ) كَلاَّ وَالْقَمَرِ ( 32 ) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ( 33 ) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ( 34 ) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ( 35 ) نَذِيراً لِلْبَشَرِ ( 36 ) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ( 37 )
--> ( 1 ) . جوامع الجامع : 517 ، تفسير الصافي 5 : 248 ، تفسير أبي السعود 9 : 57 ، تفسير روح البيان 10 : 229 . ( 2 ) . فصلت : 41 / 13 . ( 3 ) . تفسير القمي 2 : 393 ، تفسير الصافي 5 : 247 .