الشيخ محمد النهاوندي
314
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
لَيَصْرِمُنَّها إلى قوله وَهُمْ نائِمُونَ « 1 » وعن القمي ، عن ابن عباس ، أنّه قيل له : إنّ قوما من هذه الامّة يزعمون أنّ العبد قد يذنب الذنب فيحرم به الرزق . فقال ابن عباس : فو اللّه الذي لا إله إلّا هو ، لهذا أنور في كتاب اللّه من الشمس الضاحية ، ذكر اللّه في سورة ن وَالْقَلَمِ أنّ شيخا كانت له جنّة ، وكان لا يدخل بيته ثمرة ولا إلى منزلة حتّى يعطي كلّ ذي حقّ حقّه ، فلمّا قبض الشيخ ورثه بنوه ، وكان له خمس من البنين ، فحملت جنّته في تلك السنة التي هلك فيها أبوهم حملا لم تكن حملت قبل ذلك ، فراحوا الفتية إلى جنّتهم بعد صلاة العصر ، فأشرفوا على ثمرة ورزق فاضل لم يعاينوا مثله في حياة أبيهم ، فلمّا نظروا إلى الفضل طغوا وبغوا ، وقال بعضهم لبعض : إنّ أبانا كان شيخا كبيرا قد ذهب عقله وخرف ، فهلّموا فلنتعاقد عهدا فيما بيننا أن لا نعطي أحدا من فقراء المسلمين في عامنا هذا شيئا حتى نستغني وتكثر أموالنا ، ثمّ نستأنف الضيعة فيما نستقبل من السنين المقبلة ، فرضي بذلك أربعة وسخط الخامس ، وهو الذي قال اللّه تعالى : قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ . فقيل : يا بن عباس ، كان أوسطهم في السنّ ! فقال : لا ، بل كان أصغرهم سنا وأكبرهم عقلا ، وأوسط القوم خير القوم ، قال اللّه تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً « 2 » . فقال لهم أوسطهم ، اتّقوا اللّه ، وكونوا على منهاج أبيكم تسلموا وتغنموا ، فبطشوا به وضربوه ضربا مبرّحا ، فلمّا أيقن الأخ أنهم يريدون قتله دخل معهم في مشورتهم كارها لأمرهم غير طائع ، فراحوا إلى منازلهم . ثمّ حلفوا باللّه : أن يصرموها إذا أصبحوا ، ولم يقولوا إن شاء اللّه ، فابتلاهم اللّه بذلك الذنب ، وحال بينهم وبين ذلك الرزق الذي كانوا أشرفوا عليه ، فأخبر عنهم في الكتاب وقال : إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ قال : كالمحترق . فقيل لابن عباس : ما الصريم ؟ قال : الليل المظلم ، ثمّ قال : لا ضوء به ولا نور . فلمّا أصبح القوم تنادوا مصبحين أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ قال : فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ . قيل : وما التخافت يا بن عباس ؟ قال : يتسارّون ، يسارّ بعضهم بعضا لئلّا يسمع أحد غيرهم فقالوا : لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ وفي أنفسهم أن يصرموها ، ولا يعلمون ما حلّ بهم من سطوات اللّه ونقمته فَلَمَّا رَأَوْها وعاينوا ما حلّ بهم قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ
--> ( 1 ) . الكافي 2 : 208 / 12 ، تفسير الصافي 5 : 212 . ( 2 ) . البقرة : 2 / 143 .