الشيخ محمد النهاوندي

313

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

قصدنا وإرادة حرمان المساكين من خير جنّتنا ، فعجّل اللّه في حرماننا من ثمارنا قالَ أحدهم الذي هو أَوْسَطُهُمْ وأصوبهم رأيا ، وأفضلهم عقلا ، وأكملهم دينا ، وأوسطهم سنا ، وأكملهم عقلا بطريق التوبيخ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ يا إخواني حين عزمتم على منع المساكين : لَوْ لا تُسَبِّحُونَ اللّه ، وهلّا تنزّهونه عن الخلف في وعده بأنّه يرزق عباده ، وعن الكذب في إخباره بالرزق بيده يبسط لمن يشاء ويقدر ، وليس الرزق بتدبير الخلق ؟ [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 29 إلى 32 ] قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 29 ) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ ( 30 ) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ ( 31 ) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ ( 32 ) فلمّا قال الأوسط ذلك تنبّه إخوانه واعترفوا بذنبهم و قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا وتنزّه خالقنا عن كلّ سوء ونقص وكذب وخلف ، سيما عن الظّلم علينا بإحراق جنّتنا ، بل إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ على أنفسنا بسوء قصدنا وإرادة منع حقوق المساكين وحرمانهم بخلا وشحّا ، إذن نتوب إلى اللّه ونستغفره من سوء قصدنا وصنيعنا فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ وهم يَتَلاوَمُونَ ويوبّخون كلّ منهم الآخرين على ما فعلوا ، و قالُوا اعترافا بذنبهم وتندّما وتحسّرا : يا وَيْلَنا ويا أسفنا إِنَّا كُنَّا قبل اليوم طاغِينَ على اللّه ومتجاوزين عن الحدّ الذي حدّه ربّنا بمنع المساكين عن حقوقهم في أموالنا ، ثمّ إنّهم بعد التّوبة والإقبال على اللّه أظهروا الرجاء برحمته بقولهم : عَسى رَبُّنا ويرجى منه أَنْ يُبْدِلَنا ويعوّضنا عن الجنة المحترقة خَيْراً وأنفع مِنْها ببركة إقبالنا إليه وتوبتنا من ذنبنا إِنَّا متوجّهون إِلى رَبِّنا بقلوبنا راغِبُونَ وطالبون عفوه وخيره . روي أنّهم تعاقدوا وقالوا : إن أبدلنا اللّه خيرا منها ، لنصنعنّ كما صنع أبونا ، فدعوا اللّه وتضرّعوا إليه ، فأبدلهم اللّه من لينتهم ما هو خير منها « 1 » . قيل : إنّ اللّه تعالى أوحى إلى جبرئيل أن يقلع تلك الجنّة المحترقة فيضعها في براري الشام ، ويأخذ من الشام جنّة فيجعلها مكانها « 2 » . عن ابن مسعود : أنّ القوم لمّا أخلصوا وعرف اللّه منهم الصدق ، أبدلهم جنّة يقال لها الحيوان ، فيها عنب يحمل البغل عنقودا « 3 » . وعن الباقر عليه السّلام قال : « إنّ الرجل ليذنب الذنب فيدرأ عنه الرزق ، وتلا هذه الآية : إِذْ أَقْسَمُوا

--> ( 1 - 2 - 3 ) . تفسير روح البيان 10 : 117 .