الشيخ محمد النهاوندي

245

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

الايمان في الثريا لناله رجال من هؤلاء » « 1 » . وروي أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله قال : « رأيتني أسقي غنما سوداء ، ثمّ أتبعها غنما عفرا » قيل : هو الشاة التي يعلو بياضها الحمرة . ثمّ قال : « أوّلها يا أبا بكر » فقال : يا نبي اللّه ، أما السّود فالعرب ، وأما العفرة فالعجم تتبعك بعد العرب . فقال عليه السّلام : « كذلك أوّلها الملك » يعني جبرئيل « 2 » . وقيل : يعني بالآخرين التابعين الذين لم يلحقوا بالصحابة في الفضل « 3 » . وقيل : إنّ آخرين عطف على أميين « 4 » ، والمعنى بعث في الأميين وغيرهم من الأمم والطوائف . وَهُوَ الْعَزِيزُ والمبالغ ، في العزّة والغلبة ، ولذلك يمكّن رجلا من الأميين من ذلك الأمر العظيم الْحَكِيمُ المبالغ في العلم ورعاية الصلاح ، ولذلك اصطفاه من كافة الناس ذلِكَ المنصب العظيم ، أو الدين الذي جاء به فَضْلُ اللَّهِ وإنعامه الفاضل الذي تستحقر دونه نعم الدنيا والآخرة يُؤْتِيهِ اللّه ويعطيه مَنْ يَشاءُ إعطاءه من عباده ، وقد أعطاه محمدا صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين به وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ والمواهب الجسيمة « 5 » على جميع خلقه في الدنيا وبخصوص المؤمنين ، بتعليم الكتاب والحكمة في الدنيا ، وبإجزال الثواب على الايمان والأعمال في الآخرة . ثمّ قيل : لمّا ذكر سبحانه أن محمدا صلّى اللّه عليه وآله بعث إلى الأميين والمشركين ، اعترض اليهود على نبوّته بأنّه مبعوث إلى العرب خاصة ، وليس مبعوثا إلينا . أجاب سبحانه عن الاعتراض بضرب المثل « 6 » بقوله : مَثَلُ اليهود الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ وعلموها ، وكلّفوا العمل بما فيها ، وتعهّدوا القيام بها ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها ولم يعملوا بها ، ولم يلتزموا بما فيها في عدم الانتفاع بها كَمَثَلِ الْحِمارِ الذي يَحْمِلُ أَسْفاراً وكتبا كبارا فيها علوم كثيرة ، فكما لا ينتفع الحمار بتلك الكتب والعلوم التي فيها ، ولا يدرك إلّا ثقلها ، لا ينتفع اليهود بالتوراة الدالة على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وآله وعموم رسالته إلى الجنّ والإنس والعرب والعجم والأبيض والأسود ، ووجوب الايمان به على جميع الخلق إلى يوم القيامة ، وإنّما قنعوا بمجرد تلاوتها ، ولم يتأمّلوا في معانيها ومداليل آياتها لغاية تعصّبهم وبلادتهم بِئْسَ مثلا مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكفروا بما في التوراة من الإخبار بعموم نبوّة محمد صلّى اللّه عليه وآله وَاللَّهُ لا يَهْدِي ولا يوفّق للخير والسعادة الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ على أنفسهم بتعريضها للهلاك الأبد والعذاب الدائم كاليهود ونظائرهم . [ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 6 إلى 8 ] قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 6 ) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 7 ) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 )

--> ( 1 ) . مجمع البيان 10 : 429 ، تفسير الصافي 5 : 172 . ( 2 و 3 ) . تفسير روح البيان 9 : 515 . ( 4 ) . تفسير الرازي 30 : 4 . ( 5 ) . في النسخة : الجسيم . ( 6 ) . تفسير الرازي 30 : 5 .