الشيخ محمد النهاوندي

246

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ لمّا كان اليهود مدّعين أنّهم أبناء الأنبياء ، وأنّهم أولياء اللّه ، وأولى بالرسالة من العرب والأميين ، أمر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بتبهيتهم بقوله : قُلْ يا محمد يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا وتديّنوا بدين اليهودية إِنْ زَعَمْتُمْ وتخيّلتم أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ وأحباؤه مِنْ دُونِ سائر النَّاسِ من العرب والعجم ، فلا محالة تعتقدون أنّ لكم الدار الآخرة خاصة ، وأنّ الجنة ونعمها مختصة بكم ، إذن فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ من اللّه ، واسألوه أن يخرجكم من الدنيا كي تصلوا إلى الجنّة والنّعم الدائمة ، وتستريحوا من تعب الدنيا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في الدعوى بزعمكم مطمئنين بحقانيته . ثمّ أخبر سبحانه بكذبهم في دعوى حبّ اللّه ، وأن الجنّة لهم خاصة ، بل هم عالمون بأن لا حظّ لهم في النّعم الأخروية ، لعلمهم بكونهم عاصين ومشاقّين للّه وللرسول بقوله : وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ ولا يحبّون لقاء اللّه أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وارتكبت جوارحهم من الكفر والطّغيان والذنب والعصيان الموجب لاستحقاقهم النار وَاللَّهُ العالم بالسرائر عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ مطّلع على خواطرهم وسرائرهم من الكفر والمعاصي الموجبين لأنواع العذاب . ثمّ أمر سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بتهديدهم بالموت والعذاب بقوله : قُلْ يا محمد لهم إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي لا تتمنّونه ، بل تَفِرُّونَ مِنْهُ مخافة أن تعاقبوا على كفركم وسيئات أعمالكم لا يفيدكم الفرار منه فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ومدرككم لا محالة ثُمَّ بعد الموت تُرَدُّونَ وترجعون إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ والحاكم المطّلع على البواطن والظواهر فَيُنَبِّئُكُمْ ويخبركم بِما كُنْتُمْ في الدنيا تَعْمَلُونَ وترتكبون من الكفر والمعاصي ، وتحريف التوراة ، وإخفاء أوصاف رسول آخر الزمان وعلائمه ، وإضلال الناس ، وإلقاء الشّبهات في نبوّته في القلوب ، فيعذّبكم بها أشدّ العذاب . [ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 9 إلى 10 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 9 ) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 10 ) في فضيلة يوم الجمعة والعبادة فيه ، وابتداء صلاة الجمعة فيه ثمّ لمّا بيّن سبحانه أنّ الموت ملاق الناس ولا يمكن الفرار منه ، بيّن ما يوجب الراحة عنده ، وما ينفع بعده بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بوحدانية اللّه ورسالة محمد صلّى اللّه عليه وآله