الشيخ محمد النهاوندي
231
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
هند رأسها ، وقالت : واللّه لقد عبدنا الأصنام ، وإنّك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال ، تبايع الرجال على الاسلام والجهاد فقط ؟ فقال صلّى اللّه عليه وآله : « ولا تسرقن » فقالت هند : إنّ أبا سفيان رجل شحيح ، وإنّي أصبت من ماله هناة ، فما أدري أتحلّ لي أم لا ؟ فقال أبو سفيان : ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غير فهو لك حلال . فضحك رسول اللّه وعرفها ، فقال لها : « وإنّك لهند بنت عتبة ؟ » قالت : نعم ، فاعف عمّا سلف يا نبيّ اللّه ، عفا اللّه عنك . فقال : « ولا تزنين » قالت : أتزني الحرّة ؟ فقال : « ولا تقتلن أولادكنّ » فقالت : ربّيناهم صغارا ، وقتلتهم كبارا ، فأنتم وهم أعلم ، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر . فضحك عمر حتى استلقى ، وتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . فقال : « ولا يأتين ببهتان يفترينه » وهو أن تقذف على زوجها ما ليس منه ، فقالت هند : إن البهتان لأمر قبيح ، وما تأمرنا إلّا بالرّشد ومكارم الأخلاق . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « ولا تعصينني في معروف » فقالت : واللّه ما جلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء ، انتهى « 1 » . في كيفية أخذ النبي صلّى اللّه عليه وآله البيعة من النساء قال بعض العامة : إنّ مبايعة عمر إيّاهن من قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « 2 » ؛ لأنّه لا يجوز للرسول صلّى اللّه عليه وآله مسّ أيدي الأجنبية . أقول : كذلك واللّه لا يجوز لعمر مسّها بطريق أولى ، ورووا أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله كلّف امرأة وقفت على الصفا فبايعتهنّ ، وهي أميمة أخت خديجة « 3 » . وعن الصادق عليه السّلام قال : « لمّا فتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مكّة بايع الرجال ، ثمّ جاءت النساء يبايعنه ، فأنزل اللّه : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ الآية ، قالت هند : أمّا الولد فقد ربّيناهم صغارا وقتلتهم كبارا . وقالت امّ الحكم بنت الحارث بن هشام ، وكانت عند عكرمة بن أبي جهل : يا رسول اللّه ، ما ذلك المعروف الذي أمرنا اللّه أن لا نعصيك فيه ؟ قال : لا تلطمن خدّا ، ولا تخمشن وجها ، ولا تنتفن شعرا ، ولا تشققن جيبا ، ولا تسوّدن ثوبا ولا تدعين بالويل ، فبايعهنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على هذا . فقالت : يا رسول اللّه كيف نبايعك ؟ قال : إنّني لا أصافح النساء ، فدعا بقدح من ماء ، فأدخل يده فيه ، ثمّ أخرجها ، فقال : ادخلن أيديكنّ في هذا الماء ، فهي البيعة » « 4 » .
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 29 : 307 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 491 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 9 : 491 . ( 4 ) . الكافي 5 : 527 / 5 ، تفسير الصافي 5 : 166 .