الشيخ محمد النهاوندي

207

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وعشرين ليلة . فلمّا قذف في قلوبهم الرّعب ، وأيسوا من نصر المنافقين ، طلبوا الصّلح ، فأبى عليهم إلّا الجلاء ، على أن يحمل كلّ ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من متاعهم إلّا السلاح ، فحملوا ستمائة بعير ، وضربوا الدّفوف ، وأظهروا السّرور إظهارا للجلادة ، وعبروا من سوق المدينة ، وذهبوا إلى الشام إلى أريحا من فلسطين ، وإلى أذرعات من دمشق ، إلّا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق ، وآل حيي بن أخطب ، فانّهم لحقوا بخيبر ، ولحقت طائفة منهم بالحيرة من قرى الكوفة ، ولم يسلم من بني النّضير إلّا رجلان ، وكان هذا الحشر والإخراج لأهل الكتاب أول إخراج لم يكن قبله إخراج لهم من مكان « 1 » . وقيل : هذا أول حشرهم ، وآخره إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام حين بلغه الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « لا يبقينّ دينان في جزيرة العرب » « 2 » . وقيل : آخر حشرهم يوم القيامة « 3 » . وقيل : يكون في الرجعة « 4 » . وعن ابن عباس : قال لهم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « اخرجوا » قالوا : إلى أين ؟ قال : « إلى أرض المحشر » « 5 » . [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 2 إلى 5 ] هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ( 2 ) وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ ( 3 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 4 ) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ( 5 ) ثمّ بيّن سبحانه غاية قوّتهم بقوله تعالى : ما ظَنَنْتُمْ وما رجوتم في حقّ بني النّضير أَنْ يَخْرُجُوا من المدينة وما حولها ، لشدّة بأسهم ومنعتهم وغاية عزّتهم وشوكتهم وَظَنُّوا هؤلاء الكفرة أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ وحافظتهم حُصُونُهُمْ المنيعة مِنْ بأس اللَّهِ وقهره فَأَتاهُمُ اللَّهُ بإذلالهم وخذلانهم مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ومن سبب لم يتوهّموا ، وهو قتل كعب بن أشرف غيلة وَ بذلك قَذَفَ وألقى فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ والخوف الشديد ، وكان حالهم حين الرّعب

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 217 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 418 . ( 3 ) . جوامع الجامع : 486 ، تفسير أبي السعود 8 : 225 ، تفسير روح البيان 9 : 418 . ( 4 ) . تفسير الصافي 5 : 153 ، وفيه : في الرجفة . ( 5 ) . مجمع البيان 9 : 387 ، تفسير الصافي 5 : 153 .