الشيخ محمد النهاوندي
208
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
أنهم يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ ومساكنهم بِأَيْدِيهِمْ ليسدّوا بأخشابها وحجارتها أبواب الأزقّة ، أو لئلا تبقى بعد جلائهم للمسلمين ، أو لينقلوا معهم بعض آلاتها المرغوب فيها وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ . قيل : إنّهم كانوا يخربون بيوتهم من داخل ، والمسلمون من خارج « 1 » . وقيل : إنّهم درّبوا « 2 » على الأزقّة وحصّنوها ، افنقضوا بيوتهم وجعلوها كالحصون على أبواب الأزقّة ، وكان المسلمون يخربون سائر جوانبها « 3 » . وقيل : إنّ المسلمين كانوا يخربون ظواهر البلد ، واليهود لمّا أيقنوا بالجلاء يخربون البيوت ، لينزعوا الأخشاب والأبواب وغيرها من الآلات الحسنة ، ويحملوها معهم « 4 » . ثمّ لمّا بيّن سبحانه سوء عاقبة الغدر والكفر ، وإبادته شوكة اليهود وكسر قوّتهم ، أمر أهل البصيرة بالاعتبار بقوله : فَاعْتَبِرُوا واتّعظوا يا أُولِي الْأَبْصارِ فلا تغدروا ، ولا تعتمدوا على غير اللّه في أمر من الأمور . عن ابن عباس : يريد يا أهل اللّب والعقل والبصائر « 5 » . : وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ في حقّ بني النّضير ، وقدّر عَلَيْهِمُ بمقتضى حكمته البالغة الْجَلاءَ الخروج من أوطانهم لَعَذَّبَهُمْ بالقتل والأسر ، أو بعذاب الاستئصال فِي الدُّنْيا على كفرهم وغدرهم وَلَهُمْ مع الجلاء فِي الْآخِرَةِ بعد خروجهم من الدنيا عَذابُ النَّارِ لا نجاة لهم منه : ذلِكَ الجلاء بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وعاندوهما ، وخالفوا عهدهما وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ كائنا من كان ، يعاقبه اللّه أشدّ العقاب فَإِنَّ اللَّهَ على من شاقّه وخالفه شَدِيدُ الْعِقابِ . ثمّ روي أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله أمر بقطع نخيل اليهود وإحراقها ، فجاؤوا إليه ، وقالوا : يا محمد ، إنّك قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض ، فما بال قطع النخيل وتحريقها ؟ وكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء فنزلت « 6 » : : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ونخلة كريمة قصيرة طيبة الثمرة ، أو أيّ نخل من نخيلهم بأنواعها أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها كما كانت ، ولم تقطعوها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وأمره لمصلحة ازدياد غيظ الكفّار وتضاعف حسرتهم بسبب نفاذ حكم أعدائهم في أعزّ أموالهم وَلِيُخْزِيَ ويذلّ اليهود الْفاسِقِينَ الخارجين عن طاعة اللّه ، فانّ في كلّ من القطع والترك حكمة ومصلحة . [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 6 ] وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 6 )
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 29 : 280 . ( 2 ) . درّب الجنديّ : صبر في الحرب وقت الفرار . ( 3 و 4 ) . تفسير الرازي 29 : 280 . ( 5 ) . تفسير الرازي 29 : 282 . ( 6 ) . تفسير الرازي 29 : 283 ، تفسير روح البيان 9 : 423 .