الشيخ محمد النهاوندي
197
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وروى الفخر الرازي عن كثير من مفسري العامة ، عن ابن عباس : أنّ المسلمين نهوا عن مناجاة النبي صلّى اللّه عليه وآله حتّى يتصدّقوا ، فلم يناجه أحد إلّا علي عليه السّلام تصدّق بدينار ، ثمّ نزلت الرّخصة « 1 » . ورووا عن عبد اللّه بن عمر أنّه قال : كان لعلي عليه السّلام ثلاث لو كانت لي واحدة منهنّ كانت أحبّ إلي من حمر النّعم : تزويجه فاطمة عليها السّلام ، وإعطاؤه الراية يوم خيبر ، وآية النجوى « 2 » . في ردّ قول القاضي وبيان فساد قول الفخر الرازي وقال القاضي أبو بكر : والأكثر في الروايات أنّه تفرّد بالتصدّق قبل مناجاته ، ثمّ ورد النسخ ، وإن كان قد روي أيضا أنّ أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك « 3 » . والعجب إنّه لتوغّله في الضلال ، وتعصّبه لمذهبه الباطل ، تردّد فيما اتفقت عليه روايات العامة والخاصة من إطاعة عليّ عليه السّلام أمر اللّه وعصيان مشايخه وأئمّته ، وهمّ بدفع الطعن عنهم بقوله : « وإن ثبت أنّه اختصّ بذلك ، فلأنّ الوقت لم يتّسع لهذا الفرض ، وإلّا فلا شبهة أنّ أكابر الصحابة لا يقعدون عن مثله » « 4 » . أقول : فيه أنّ دعوى ضيق الوقت بعد رواياتهم بأن الحكم كان باقيا عشرة أيام ممّا تضحك به الثكلى ، وأمّا أفاضل الصحابة كسلمان وأبي ذرّ والمقداد وعمّار وحذيفة وأضرابهم ، كانوا لفقرهم خارجين عن هذا الحكم بقوله : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ما تتصدّقون به لا يجب عليكم فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للمذنبين رَحِيمٌ بالمؤمنين ، لا يكلّفهم بما لا يطيقون . والحاصل إنّ أفاضل الصحابة الذين اتفقنا على فضلهم وخلوص إيمانهم كانوا فقراء غير متمكّنين من التصدّق ، وأمّا غيرهم فقد بخلوا بالتصدّق لعدم اشتياقهم إلى صحبة النبي صلّى اللّه عليه وآله ومناجاته ولم يسو عندهم صحبة النبي صلّى اللّه عليه وآله بدرهم ، ولذا صار تركهم الصدقة من أكبر المطاعن عليهم ، وتصدّق أمير المؤمنين عليه السّلام بعشرة دراهم من أعظم فضائله ، ولا يصغى إلى قول القاضي بأن الصحابة ما وجدوا الوقت « 5 » . وبذلك يظهر فساد ما ذكره الفخر الرازي من أنّه على تقدير أنّ الصحابة وجدوا الوقت ولم يفعلوا ، فهذا لا يجرّ إليهم طعنا ؛ لأنّ ذلك الإقدام على هذا العمل ممّا يضيق به قلب الفقير ، فانّه لا يقدر على مثله فيضيق قلبه ، ويوحش قلب الغنيّ ، فانّه لمّا لم يفعل الغني وفعله غيره ، صار ذلك الفعل سببا للطعن فيمن لم يفعل ، فهذا الفعل لمّا كان سببا لحزن الفقراء ووحشة الأغنياء ، لم يكن في تركه كبير
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 29 : 271 و 272 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 406 . ( 3 ) . تفسير الرازي 29 : 272 . ( 4 ) . تفسير الرازي 29 : 272 . ( 5 ) . تفسير الرازي 29 : 272 .