الشيخ محمد النهاوندي
196
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ويعذّبكم على عصيانه بأسوء العذاب . [ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 12 إلى 13 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 12 ) أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 13 ) ثمّ لمّا علّم اللّه المؤمنين ما يتناجون به من البرّ والتقوى ، عظّم الرسول صلّى اللّه عليه وآله ونجواه بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ وكالمتموه سرّا في بعض شؤونكم كما عن بعض « 1 » ، أو في استفسار حال رؤياكم كما عن آخر « 2 » فَقَدِّمُوا وأعطوا المستحقّين بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ وقبلها صَدَقَةً ومقدارا ما من المال تقرّبا إلى اللّه ذلِكَ التصدّق خَيْرٌ لَكُمْ أيّها المؤمنون في دينكم من تركه وَأَطْهَرُ لأنفسكم من رجس المعاصي ودنس البخل . عن ابن عباس : لمّا أكثر المسلمون السؤال على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حتى أسأموه وأملّوه ، أراد اللّه أن يخفّف عن نبيّه صلّى اللّه عليه وآله فنزلت الآية ، وأمرهم اللّه بتقديم الصدقة عند نجواه ، فكفّ كثير من الناس عن المناجاة وشحّوا « 3 » . قيل : أراد سبحانه بهذا الأمر تعظيم النبي صلّى اللّه عليه وآله ، ونفع الفقراء ، والزجر عن الإفراط في السؤال ، وتمييز المخلص عن المنافق ، ومحبّ الآخرة عن محبّ الدنيا ، إذ لم يناجه أحد من أصحابه عشرة أيام إلّا عليّ عليه السّلام « 4 » . أقول : وأراد سبحانه تفضيح أغنياء الصحابة كأبي بكر على ما ادّعاه شيعته من أنّه كان غنيا ، وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وأضرابهم ، وظهور فضيلة أمير المؤمنين وخلوصه في الايمان ، وحبّه للآخرة ومناجاة الرسول صلّى اللّه عليه وآله . روى بعض العامة عن علي عليه السّلام أنّه قال : « إنّ في كتاب اللّه آية ما عمل بها أحد قبلي ، ولا يعمل بها أحد بعدي ، كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم ، فكنت إذا ناجيت الرسول صلّى اللّه عليه وآله تصدّقت بدرهم » « 5 » .
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 404 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 405 . ( 3 ) . تفسير الرازي 29 : 271 . ( 4 ) . تفسير جوامع الجامع : 485 . ( 5 ) . تفسير الرازي 29 : 271 ، تفسير البيضاوي 2 : 476 ، تفسير أبي السعود 8 : 221 ، تفسير روح البيان 9 : 405 .