الشيخ محمد النهاوندي
194
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ إنّه تعالى بعد النهي عن النجوى التي توجب « 1 » التباغض وشدة الاتّصال في المجلس ، أمر عباده بما يوجب التودّد والتحابب بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عن صميم القلب إِذا قِيلَ لَكُمْ [ سواء أ ] كان القائل قريبا أو بعيدا ، أو وضيعا أو شريفا : يا إخواني تَفَسَّحُوا وتوسّعوا فِي الْمَجالِسِ والأماكن التي تجلسون فيها على المؤمنين الواردين عليكم فَافْسَحُوا ووسّعوا عليهم حتّى يجلسوا بينكم ، فإذا تفسّحتم ووسّعتم في المكان على الواردين يَفْسَحِ اللَّهُ ويوسّع لَكُمْ فيما تريدون التوسعة فيه من الصدور والرزق والقبر وغيرها . في فضيلة أهل العلم قيل : إنّ المراد مجلس النبي صلّى اللّه عليه وآله ، كان الأصحاب يتضامّون فيه تنافسا على القرب منه ، وحوصا على استماع الكلام « 2 » . عن ابن عباس : دخل ثابت بن قيس بن الشمّاس في مسجد النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وقد أخذ القوم مجالسهم ، وكان يريد القرب من النبي صلّى اللّه عليه وآله للوقر الذي كان في اذنه ، فوسّعوا له حتى قرب ، ثمّ ضايقه بعضهم ، وجرى بينه وبينهم كلام ، فوصف للرسول صلّى اللّه عليه وآله محبّة القرب منه ليستمع كلامه ، وأن فلانا لم يفسح له ، فنزلت هذه الآية ، فأمر القوم بأن يوسّعوا ولا يقوم أحد لأحد « 3 » . وقيل : إنّ الأصحاب كانوا يحبّون القرب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وكان الرجل يكره أن يضيّق عليه ، فربما سأله [ أخوه ] أن يفسح له فيأبى ، فأمرهم اللّه بأن يتعاطفوا ويتحمّلوا المكروه ، وكان فيهم من يكره أن يمسّه الفقراء ، وكان أهل الصّفّة يلبسون الصوف ولهم روائح « 4 » . وعن مقاتل : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله كان يوم الجمعة في الصّفّة ، وفي المكان ضيق ، وكان صلّى اللّه عليه وآله يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء ناس من أهل بدر ، وقد سبقوا إلى المجالس ، فقاموا حيال النبي صلّى اللّه عليه وآله ينتظرون أن يوسّع لهم ، فعرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما يحملهم على القيام ، وشقّ ذلك على الرسول صلّى اللّه عليه وآله ، فقال لمن حوله من أهل بدر : « قم يا فلان ، قم يا فلان » فلم يزل يقيم بعدّة النفر الذين هم قيام بين يديه ، فشقّ ذلك على من أقيم من مجلسه ، وعرفت الكراهة في وجوههم ، وطعن المنافقون في ذلك ، وقالوا : واللّه ما عدل على هؤلاء ، إنّ قوما أخذوا مجالسهم ، وأحبّوا القرب منه فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه ، فنزلت هذه الآية يوم الجمعة « 5 » . وقيل : إنّ المراد من التفسّح والتوسّع في مقاعد القتال ، وكان الرجل يأتي الصفّ فيقول : تفسّحوا
--> ( 1 ) . في النسخة : الذي يوجب . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 403 . ( 3 و 4 ) . تفسير الرازي 29 : 269 . ( 5 ) . تفسير الرازي 69 : 268 .