الشيخ محمد النهاوندي

123

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ أنكر سبحانه عليهما الكفران لنعمه بقوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أيّها الجنّ والانس تُكَذِّبانِ وتكفران ؟ [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 17 إلى 23 ] رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 18 ) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 21 ) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ( 22 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 23 ) ثمّ من المعلوم أنّ الربّ الذي له هذه المرتبة من القدرة لا يختصّ ربوبيته بكما ، بل هو رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ مشرق الصيف ومشرق الشتاء ، كما عن أمير المؤمنين عليه السّلام « 1 » ، أو مشرق الشمس ومشرق القمر . وعن الصادق عليه السّلام : « تأويل المشرقين برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السّلام » « 2 » . وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ لكلّ من المشرقين ، وعنه عليه السّلام : « المغربين الحسن والحسين عليهما السّلام » « 3 » . ومن المعلوم أنّ لازم ربوبيته لها ربوبيته لجميع ما بينها من الموجودات والنّعم التي لا تحصى فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما ونعمه أيّها الثقلان تُكَذِّبانِ وأيّها تنكران ؟ ثمّ لمّا ذكر الشمس والقمر اللذين لهما جريان ، ذكر نعمة البحر الذي له جريان بقوله : مَرَجَ وأرسل الْبَحْرَيْنِ بحر السماء وبحر الأرض ، أو بحر العذب وبحر الملح الأجاج ، أو بحر الروم وبحر فارس أحدهما إلى الآخر بحيث يَلْتَقِيانِ ويتماسّ سطحاهما ، أو بحيث يكون من شأنهما الالتقاء والاختلاط ، ومع ذلك بَيْنَهُما في الواقع من الأرض أو غيرها بقدرة اللّه بَرْزَخٌ وحاجز ومانع من الاختلاط . قيل : إنّ الماء ينجذب بعضه إلى بعض كأجزاء الزئبق « 4 » . ولذا لا يكون له إلّا حيّز ومكان واحد ، فلذا من طبع البحرين وشأنهما أن يلتقيا ويختلطا ، ومع ذلك يبقى كلّ في مكان متميّز لمانع جعله اللّه بقدرته الكاملة ، وقد روي في صورة جريان الماء العذب في الماء المالح أو بالعكس ، وفي جريان الماء الصافي في الماء المختلط بالطين وبالعكس ، لا يختلطان في مقدار من الزمان أو مطلقا ، لمانع جعله اللّه بينهما بقدرته ، كقطعة من الأرض لا يَبْغِيانِ ولا يتجاوزان حدّيهما حتى يمتزجا أو يغرقا ما بينهما من الأرض ، ولا يطلبان غير ما قدر لهما .

--> ( 1 ) . الاحتجاج : 259 ، تفسير الصافي 5 : 108 . ( 2 ) . تفسير القمي 2 : 344 ، تفسير الصافي 5 : 108 . ( 3 ) . تفسير القمي 2 : 344 ، تفسير الصافي 5 : 108 . ( 4 ) . تفسير الرازي 29 : 100 .