الشيخ محمد النهاوندي

8

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وجدت لابنك هذا حبّا شديدا ، فاحتفظي بابنك ، فانّي أراه عدوّنا ، فلمّا خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون ، فجاء إلى بابها ليدخل عليها ، فقالت أخته : يا امّاه ، هذا الحرس ، فلفتّه ووضعته في تنّور مسجور ، فطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع ، فدخلوا فإذا التنّور مسجور ، ورأوا امّ موسى لم يتغيّر لها لون ، ولم يظهر لها لبن ، فقالوا : لم دخلت القابلة عليك ؟ قالت : إنّها حبيبة لي دخلت للزيارة ، فخرجوا من عندها ، ورجع إليها عقلها ، فقالت لأخت موسى : أين الصبيّ ؟ قالت : لا أدري ، فسمعت بكاءه في التنّور ، فانطلقت إليه ، وقد جعل اللّه النار عليه بردا وسلاما ، فأخذته . ثمّ لمّا رأت امّ موسى فرعون مجدّا في طلب الولدان ، خافت على ابنها ، فقذف اللّه في قلبها أن تتّخذ لها تابوتا ، ثمّ تقذف التابوت في النّيل ، فذهبت إلى نجّار من أهل مصر ، فاشترت منه تابوتا ، فقال لها : ما تصنعين به ؟ فقالت : ابن لي أخشى عليه كيد فرعون ، أريد أن اخبّئنّه فيه ، وما عرفت أنّه يفشي ذلك الخبر ، فلمّا انصرفت ذهب النجّار إلى فرعون ليخبر به الذبّاحين ، فلمّا جاءهم أمسك اللّه لسانه ، وجعل يشير بيده ، فضربوه وطردوه ، فلمّا عاد إلى موضعه ردّ اللّه عليه نطقه ، فذهب مرة أخرى ليخبرهم به ، فضربوه وطردوه ، فلمّا عاد إلى موضعه ردّ اللّه عليه نطقه ، فذهب مرة أخرى ليخبرهم به ، فضربوه وطردوه ، فأخذ اللّه بصره ولسانه ، فجعل للّه تعالى إن ردّ عليه بصره ولسانه لا يدلّهم عليه ، فعلم اللّه منه الصدق ، فردّ عليه بصره ولسانه ، وانطلقت امّ موسى وألقته في النّيل ، وكان لفرعون بنت ، لم يكن له ولد غيرها ، وكان لها كلّ يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها ، وكان بها برص شديد ، وكان فرعون شاور الأطبّاء والسّحرة في أمرها ، فقالوا : أيّها الملك ، لا تبرأ هذه إلّا من قبل البحر ، يوجد منه شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه ، فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك ، وذلك في يوم كذا في شهر كذا حين تشرق الشمس . فلمّا كان ذلك اليوم غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النّيل ، ومعه آسية بنت مزاحم ، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على الشاطئ ، إذ أقبل بتابوت تضربه الأمواج ، وتعلّق بشجرة ، فقال فرعون : خذوه فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ وصانوه من الضياع لِيَكُونَ لَهُمْ في العاقبة عَدُوًّا يغرقهم في البحر وَ لنسائهم حَزَناً على هلاك رجالهنّ وصيرورتهنّ إماء لهم ، فشبّه سبحانه العداوة والحزن بالعلّة لفعلهم لتربيتها عليه إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا في عقائدهم وأعمالهم خاطِئِينَ ولذا قتلوا الوفا لأجل موسى ، ثمّ أخذوه يربّونه ليكبر ويفعل بهم ما كانوا يحذرون منه . فلمّا رأى فرعون التابوت المطلى بالقير ، أمر بفتح بابه فلم يقدروا ، ثمّ عالجوا كسره فلم يقدروا ،