الشيخ محمد النهاوندي

9

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

فنظرت آسية فرأت نورا في جوف التابوت لم يره غيرها ، فعالجته وفتحته ، فإذا هي بصبيّ صغير يتلألأ النور من بين عينيه ، فألقى اللّه محبتّه في قلوب القوم ، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت ، فضمّته إلى صدرها « 1 » . وقيل : إنّها لما رأته برئت ، فقال الغوادة من قوم فرعون : إنا نظنّ أنّ هذا هو الذي تحذر منه ، فرمي في البحر خوفا منك ، فهمّ فرعون بقتله « 2 » . وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ - وكانت من خيار نساء بني إسرائيل من سبط لاوي على ما قيل « 3 » . وقيل : كانت عمّه موسى ، لمّا أخرجته من التابوت ، وأحبّته للنور الذي بين عينيه « 4 » ، أو لملاحة وجهه ، أو لبرء بنته بريقه ، أو لأنّه يمتصّ إصبعه ، أو لأنّه لم يكن لها ولد ذكور « 5 » - : يا فرعون هذا الطفل قُرَّتُ عَيْنٍ وسرور قلب لِي وَلَكَ عن ابن عباس : قال فرعون قرّة عين لك ، وأمّا أنا فلا حاجة لي فيه . فقال عليه السّلام : « والذي يحلف به لو أقرّ فرعون بأنّه قرّة عين له كما أقرّت ، لهداه اللّه كما هداها » « 6 » . ثمّ لمّا اطلعت على أنّ فرعون همّ بقتله استوهبته منه وقالت : لا تَقْتُلُوهُ وإنّما خاطبته بصيغة الجمع تعظيما له ، لتساعدها على مسألتها ، ثمّ ذكرت ما يرغبه في إجابتها بقولها : عَسى ونرجو أَنْ يَنْفَعَنا ويصل إلينا منه خير كثير لما فيه من أمارة اليمن والبركة ، من لمعان النور من وجهه ، وارتضاعه من إصبعه ، وشفاء البنت بريقه أَوْ نَتَّخِذَهُ لأنفسنا وَلَداً لكونه أهلا للتبنّي للملوك ، فأجاب فرعون مسألتها ووهبة لها ، فاشتغل فرعون وآسية وخدمها بتربيته وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بخطأهم العظيم في رجاء النفع منه والتبنّي له وتربيته ، لكون هلاكهم وذهاب ملكهم بيده وَأَصْبَحَ وصار فُؤادُ أُمِّ مُوسى لمّا سمعت أنّ ولدها في يد فرعون فارِغاً وخاليا من العقل والصبر من فرط الخوف ، أو خاليا من كلّ همّ إلّا همّ موسى ، أو خائفا ومشفقا عليه ، أو فارغا من الوحي الذي أوحينا إليها قبل وناسيا له . قيل : إنّ الشيطان جاءها ، فقال لها : كرهت أن يقتل ولدك ويكون لك الأجر ، فتولّيت إهلاكه وابتليت بالعقوبة ، فلمّا اطّلعت أنّ ولدها وقع في يد فرعون أنساها عظم البلاء عهد اللّه إليها « 7 » إِنْ الشأن أنّها كادَتْ وقربت لَتُبْدِي بموسى وتظهر بِهِ من ضعف البشرية وفرط الاضطراب . عن ابن عباس : كادت تخبر بأنّ ما وجدتموه ابني « 8 » .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 24 : 227 . ( 2 ) . تفسير الرازي 24 : 228 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 384 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 6 : 384 . ( 5 ) . تفسير الرازي 24 : 228 . ( 6 ) . تفسير الرازي 24 : 228 . ( 7 ) . تفسير الرازي 24 : 229 . ( 8 ) . تفسير الرازي 24 : 230 .