الشيخ محمد النهاوندي
60
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
للثأر ، وكان فيه احتمال مشاقّ القتال ، وصعب على البعض ذلك ، فقال سبحانه : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ولا يؤمروا بالجهاد « 1 » . وقيل : إنه لمّا قال في أواخر السابقة ادْعُ إِلى رَبِّكَ « 2 » وكان في الدعاء إليه الطّعان والحراب ، لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأصحابه كانوا مأمورين بالجهاد إن لم يؤمن الكفّار ، فشّق على البعض ذلك ، فقال سبحانه : أَ حَسِبَ النَّاسُ « 3 » . وقيل : إنّه لمّا قال في آخر السورة السابقة : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ « 4 » ذكر بعده ما يبطل قول المنكرين للحشر من قوله : لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ « 5 » يعني ليس كلّ شيء هالكا من غير رجوع ، بل كلّ هالك وله رجوع إلى اللّه ، وكان من قول منكري الحشر إنّه لا فائدة في التكاليف إذا لم يكن رجوع ومعاد ، فلمّا أثبت اللّه الرجوع ، بيّن حسن التكليف بقوله : أَ حَسِبَ النَّاسُ إلى آخره « 6 » ، وما ذكرنا أحسن الوجوه ، ويمكن أن يكون وجه النّظم جميع الوجوه . قيل : نزلت في قوم من المؤمنين كانوا بمكة ، وكان كفّار قريش يؤذونهم ويعذّبونهم على الاسلام ، وكانت صدورهم تضيق لذلك ، ويجزعون فتداركهم اللّه بالتسلية بهذه الآية « 7 » . وقيل : إنّها نزلت في عمّار بن ياسر ، وعياش بن أبي ربيعة ، والوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام « 8 » ، وكانوا يعذّبون بمكّة « 9 » . أقول : هذان الوجهان يوافقان القول بأن جميع السورة أو الآيات العشر من أولها مكية ، كما عليه جمع من المفسرين « 10 » . وأمّا على القول بأنّ جميعها أو عشر آيات من أولها مدنية ، كما عليه آخرون فلا [ يوافق الوجهين ] « 11 » . وقيل : الآية نزلت في أقوام بمكة هاجروا ، فتبعهم الكفّار ، فاستشهد بعض ونجا الباقون « 12 » . وقيل : نزلت في مهجع بن عبد اللّه ، قتل يوم بدر ، وكان أبواه وأقاربه يجزعون عليه « 13 » . عن الصادق عليه السّلام : « معنى يفتنون يبتلون في أنفسهم وأموالهم » « 14 » . وعن الكاظم عليه السّلام أنّه قرأ هذه الآية ، ثمّ قال : « ما الفتنة ؟ » قيل : الفتنة في الدين . فقال : « يفتنون كما
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 25 : 25 . ( 2 ) . القصص : 28 / 87 . ( 3 ) . تفسير الرازي 25 : 25 . ( 4 ) . القصص : 28 / 88 . ( 5 ) . القصص : 28 / 88 . ( 6 ) . تفسير الرازي 25 : 25 . ( 7 ) . تفسير روح البيان 6 : 444 . ( 8 ) . في النسخة : مسلمة بن هشام ، تصحيف انظر أسد الغابة 2 : 341 . ( 9 ) . تفسير الرازي 25 : 27 . ( 10 ) . مجمع البيان 8 : 425 ، تفسير القرطبي 13 : 323 . ( 11 ) . مجمع البيان 8 : 425 ، تفسير القرطبي 13 : 323 . ( 12 ) . تفسير الرازي 25 : 28 . ( 13 ) . تفسير البيضاوي 2 : 203 . ( 14 ) . مجمع البيان 8 : 427 ، تفسير الصافي 4 : 110 .