الشيخ محمد النهاوندي

90

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ونهيه . فقال المشركون بعضهم لبعض : لقد استفحل أمر محمّد ، وعظم خطبه ، فتعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيته وتوبيخه ، والاحتجاج عليه ، وإبطال ما جاء به ، ليهون خطبه على أصحابه ، ويصغر قدره عندهم ، ولعله ينزع عمّا هو فيه من غيّه وباطله وتمرّده وطغيانه ، فإن انتهى وإلّا عاملناه بالسيف الباتر . قال أبو جهل : فمن الذي يلي كلامه ومجادلته ؟ قال عبد اللّه بن أبي أمية : أنا إلى ذلك ، أفما ترضاني له قرنا حسيبا ومجادلا كفيا ؟ قال أبو جهل : بلى . فأتوه بأجمعهم ، فابتدأ عبد اللّه بالكلام ، فقال : يا محمّد ، لقد ادّعيت دعوى عظيمة ، وقلت مقالا هائلا ، زعمت أنّك رسول رب العالمين ، وما ينبغي لربّ العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسولا [ له ] ، وأنت بشر مثلنا تأكل كما نأكل وتمشي في الأسواق كما نمشي ، فهذا ملك الرّوم ، وهذا ملك الفرس لا يبعثان رسولا إلّا كثير المال عظيم الخطر « 1 » له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدّام ، وربّ العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده ، ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدّقك ونشاهده ، بل لو أراد اللّه أن يبعث إلينا نبيا ، لكان يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا ، ما أنت يا محمّد إلّا مسحور ولست بنبي . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : هل بقي [ من كلامك ] شيء ؟ فقال : بلى ، لو أراد اللّه أن يبعث إلينا رسولا لبعث أجلّ من [ فيما ] بيننا مالا وأحسنه حالا ، فهلّا نزل القرآن الذي تزعم أنّ اللّه أنزله عليك وبعثك به رسولا على رجل من القريتين عظيم ؛ إمّا الوليد بن المغيرة بمكة ، وإما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : هل بقي من كلامك شيء ؟ فقال : بلى ، لن نؤمن لك حتى تفجّر لنا من الأرض ينبوعا بمكة هذه ، فإنّها ذات حجارة وعرة وجبال ، تكسح أرضها وتحفرها وتجري فيها العيون ، فإننا إلى ذلك محتاجون ، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتأكل منهما وتطعمنا ، فتفجّر الأنهار خلالها تفجيرا ، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ، فانّك قلت لنا : وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ « 2 » فلعلنا نقول ذلك ، وقال : أو تأتي باللّه والملائكة قبيلا ، تأتي به وبهم وهم لنا مقابلون ، أو يكون لك بيت من زخرف تعطينا منه وتغنينا به ، فلعلنا نطغى ، فأنّك قلت لنا : إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى « 3 » . ثمّ قال : أو ترقى في السماء ، أي تصعد في السماء ، ولن نؤمن لرقيك ، أي لصعودك ، حتى تنزل علينا كتابا نقرأه فيه : من اللّه العزيز الحكيم إلى عبد اللّه بن أبي أمية المخزومي ومن معه ، أن آمنوا بمحمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب فإنه رسولي وصدّقوه في مقاله فإنه من عندي ، ثمّ لا أدري يا

--> ( 1 ) . في المصدر : عظيم الحال . ( 2 ) . الطور : 52 / 44 . ( 3 ) . العلق : 96 / 6 و 7 .