الشيخ محمد النهاوندي

91

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

محمّد إذا فعلت هذا كلّه أؤمن بك أم لا أؤمن بك ، ولو رفعتنا إلى السماء وفتحت أبوابها وأدخلتناها لقلنا : إنّما سكّرت أبصارنا وسحرتنا . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : أبقي شيء من كلامك يا عبد اللّه ؟ قال : أوليس فيما أوردته عليك كفاية وبلاغ ؟ ! ما بقي شيء ، فقل ما بدا لك ، وأفصح عن نفسك إن كانت لك حجّة ، وآتنا بما سألناك . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : اللهمّ أنت السامع لكلّ صوت ، والعالم بكلّ شيء ، تعلم ما قاله عبادك ، فأنزل عليه وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ الآية إلى قوله : قُصُوراً « 1 » ، وانزل عليه فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ « 2 » الآية ، وأنزل عليه وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً « 3 » الآية . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : أما ما ذكرت من أنّي آكل الطعام ، إلى أن قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : وأما قولك لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ، إلى آخر ما قلت ، فانّك اقترحت على محمّد رسول ربّ العالمين أشياء منها ما لو جاءك به لم يكن برهانا على نبوته ، ورسول اللّه يرتفع من أن يغتنم جهل الجاهلين ويحتجّ عليهم بما لا حجة فيه . ومنها ما لو جاءك به لكان فيه هلاكك ، وإنّما يؤتى بالحجج والبراهين ليلزم عباد اللّه الايمان لا بما يهلكون به ، وإنّما اقترحت هلاكك ، وربّ العالمين أرحم بعباده وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم كما يقترحون . ومنها المحال الذي لا يصحّ ولا يجوز كونه ، ورسول اللّه يعرّفك ذلك ، ويقطع معاذيرك ، ويضيّق عليك سبيل مخالفته ، ويلجئك بحجج اللّه إلى تصديقه حتى لا يكون لك عنه محيد ولا محيص . ومنها ما قد اعترفت على نفسك أنّك فيه معاند متمرد ، لا تقبل حجة ، ولا تصغي إلى برهان ، ومن كان كذلك فداؤه عذاب النار النازل من سمائه أو في جحيمه ، أو سيوف أوليائه . وأمّا قولك يا عبد اللّه لن نؤمن لك حتى تفجر [ لنا ] من الأرض ينبوعا بمكة هذه ، فانّها ذات أحجار وصخور وجبال تكسح أرضها وتحفرها وتجري فيها العيون ، فانّنا إلى ذلك محتاجون ، فانّك سألت هذا وأنت جاهل بدلائل اللّه . يا عبد اللّه ، أرأيت لو فعلت كنت من أجل ذلك نبيا ، أرأيت الطائف التي [ لك ] فيها بساتين ، أما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها وذلّلتها وكسحتها وأجريت فيها عيونا استنبطتها ؟ قال : بلى . قال : وهل لك في هذا نظراء ؟ قال : بلى ، قال : أفصرت بذلك أنت وهم أنبياء ! قال : لا . قال : فكذلك لا يصير هذا حجة لمحمّد لو فعله على نبوته ، فما هو إلّا كقولك لن نؤمن لك

--> ( 1 ) . الفرقان : 25 / 7 - 10 . ( 2 ) . هود : 11 / 12 . ( 3 ) . الأنعام : 6 / 8 .