الشيخ محمد النهاوندي

62

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

أنفسهم للهلاك ، وإنما ذكر سبحانه من الأمم المهلكة خصوص ثمود لأنّهم كانوا من العرب مثلهم ، وكانوا عالمين بحالهم ومشاهدين آثار هلاكهم . عن القمي ، عن الباقر عليه السّلام : « أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله سأله قومه أن يأتيهم بآية ، فنزل جبرئيل وقال : إنّ اللّه يقول : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وكنّا إذا أرسلنا إلى قرية آية فلم يؤمنوا بها أهلكناهم ، فلذلك أخّرنا عن قومك الآيات » « 1 » . وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ غير المقترحة من القرآن وسائر المعجزات إِلَّا لتكون تَخْوِيفاً وإنذارا لهم بعذاب الآخرة ، فإنّ أمر أمّتك التي بعثت إليهم مؤخّر إلى يوم القيامة كرامة لك . عن سعيد بن جبير : أنّ القوم قالوا : يا محمّد ، إنّك تزعم أنّه كان قبلك أنبياء ، فمنهم من سخّرت له الريح ، ومنهم من كان يحيي الموتى ، فأتنا بشيء من هذه المعجزات ، فأجاب اللّه عن هذه الشبهة بقوله : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ الآية « 2 » . وعن ابن عباس : أنّ أهل مكة سألوا الرسول صلّى اللّه عليه وآله أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن يزيل الجبال لهم حتى يزرعوا [ تلك ] الأراضي التي تحتها ، فطلب الرسول صلّى اللّه عليه وآله ذلك من اللّه تعالى ، فقال اللّه تعالى : إن شئت فعلت ذلك ، لكن بشرط أنّهم إن كفروا أهلكتهم . فقال الرسول صلّى اللّه عليه وآله : « لا أريد ذلك بل نتأنّى « 3 » بهم » ، فنزلت « 4 » . وقيل : إنّ وجه الجواب أن الأولين شاهدوا هذه المعجزات ، وكذّبوا بها ، فعلم اللّه منكم أنّكم لو شاهدتموها لكذّبتم ، فكان إظهارها عبثا « 5 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 60 ] وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً ( 60 ) ثمّ لمّا صار عدم إجابة الرسول مسألة المشركين في ما اقترحوه من الآيات سببا لجرأتهم عليه وطعنهم في رسالته ، قوّى سبحانه قلبه الشريف بوعده النصر عليهم بقوله : وَإِذْ قُلْنا لَكَ بتوسّط جبرئيل : إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ قدرة وعلما ، فلا يقدر أحد على أمر إلّا بقضائه وإرادته ، فلا تنال بهم ولا تخف منهم فانّهم لن يضرّوك شيئا ، وإنّ ربك سينصرك عليهم ، ويؤيّدك حتى يظهر دينك

--> ( 1 ) . تفسير القمي 2 : 21 ، تفسير الصافي 3 : 199 . ( 2 ) . تفسير الرازي 20 : 234 . ( 3 ) . في تفسير الرازي : تتأنّى . ( 4 ) . تفسير الرازي 20 : 234 . ( 5 ) . تفسير الرازي 20 : 234 .