الشيخ محمد النهاوندي
587
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ لمّا كان إهلاك أعداء اللّه نعمة على أوليائه ، أمر سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بالشّكر عليه بقوله : قُلِ يا محمّد : الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمه التي منها إهلاك أعدائه وَسَلامٌ وعافية دائمة من كلّ آفة دينية ودنيوية عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى هم وخصّهم بالعصمة من كلّ سوء ، والطهارة من كلّ رجس . وقيل : إنّه تعالى لمّا بيّن ابتلاء أمم الماضين بالعذاب ، وكان من النعم على خاتمهم رفع عذاب الاستئصال عن امّته ببركته وحرمته ، أمره بالحمد له والدعاء للأنبياء الذين صبروا على مشاقّ الرسالة « 1 » ، أو لمّا كان اطّلاعه صلّى اللّه عليه وآله على قصص الأنبياء الماضين التي تكون من الأخبار الغيبية وفيها الآيات والحكم الكثيرة من النّعم العظيمة عليه ، أمره بالحمد عليها والدعاء بالسلامة لامّته « 2 » . ثمّ أنّه تعالى بعد بيان كمال قدرته وحكمته ، وغاية تفضّله على أوليائه وغضبه على أعدائه ، شرع في تقريع العابدين للأصنام التي لا تضرّ ولا تنفع بقوله : آللَّهُ الذي بيده كلّ خير خَيْرٌ للعبادة أَمَّا يُشْرِكُونَ به من الأصنام والأوثان التي لا يترتّب على عبادتها فائدة . روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لمّا تلا هذه الآية قال : « بل اللّه خير وأبقى وأجلّ وأكرم » « 3 » . ثمّ أخذ سبحانه في بيان خيراته وعظائم نعمه الدالة على وحدانيته واستحقاقه للعبادة بقوله : أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ والأجرام العلوية والسفلية التي هي أصول الكائنات ومبادي جميع الخيرات والبركات وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً نافعا بنحو الأمطار . ثمّ عدل سبحانه عن الغيبة إلى التكلّم لتأكيد الاختصاص بقوله : فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ وبساتين ذاتَ بَهْجَةٍ وغضارة وحسن لون ومنظرة . ثمّ نبّه سبحانه على تفرّده بهذه القدرة الكاملة التي خلق بها السماوات والأرض ، وجعل السماء محلا للماء ، والأرض محلا للنبات ، وأنبت بالماء الحدائق التي لها بهاء ورونق بقوله : ما كانَ وما استقام لَكُمْ مع عقلكم وقوّتكم وتدبيركم أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها وإلّا ما كنتم محتاجين إلى الغرس وتحمّل كلفة السقي وغيره ممّا له دخل في نمو الشجر والمصابرة على ظهور الثمر ، فكيف بغيركم من الجمادات ، ومع ذلك أتقولون أَ إِلهٌ ومعبود آخر مشارك مَعَ اللَّهِ العظيم القادر على كلّ شيء في الألوهية ، لا يقول ذلك عاقل بَلْ المشركون هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ويميلون بجهلهم من التوحيد إلى الشّرك ، أو يسوون لسفههم مع اللّه غيره .
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 24 : 205 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 6 : 292 . ( 3 ) . تفسير الرازي 24 : 205 ، تفسير روح البيان 6 : 360 .