الشيخ محمد النهاوندي
588
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
[ سورة النمل ( 27 ) : آية 61 ] أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 61 ) ثمّ أضرب سبحانه عمّا ذكر من التبكيت إلى التبكيت بوجه آخر بقوله : أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ للانسان وغيره من الحيوانات قَراراً ومستقرا بإخراج بعضها من الماء وتسويتهما حسبما تدور عليه منافعهم وَجَعَلَ بلطفه خِلالَها وفي فرجها ، أو في أوساطها أَنْهاراً جارية تنتفعون بها وَجَعَلَ لَها جبالا رَواسِيَ وثوابت تمنعها من الاضطراب والانقلاب بأهلها ، وتتكون فيها المعادن ، وتنبع منها الينابيع ، وتتعلق بها مصالح لا تحصى وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ العذب والمالح ، أو بحر فارس والروم حاجِزاً مانعا من المخالطة والامتزاج ، فمع ما ترون من قدرته الكاملة أَ تقولون : إِلهٌ مَعَ اللَّهِ يشاركه في استحقاق العبادة ؟ ! بَلْ المشركون أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الحجج والبراهين على التوحيد ، ولا يفهمون بطلان ما هم عليه من الشّرك مع كمال وضوحه . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 62 إلى 63 ] أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 63 ) ثمّ أضرب سبحانه عن تبكيت المشركين بنعمه العامة لجميع الموجودات وانتقل إلى تبكيتهم بشدّة حاجة الخلق إليه بقوله : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ ويستجيب دعاء المبتلى بالضيق والشدة مع عدم ملجأ له ولا حيلة إِذا دَعاهُ وسأله كشف ضرّه ورفع شدّته وتضرّع إليه ؟ وَ من يَكْشِفُ عن عباده السُّوءَ ويدفع عنهم المكروه كالمرض والفقر والغرق بالشّفاء والغنى والنجاة ، وإن لم يدعوه ؟ وَ من يَجْعَلُكُمْ بعد إهلاك الأمم الماضين خُلَفاءَ هم في الْأَرْضِ وساكنين في مساكنهم ، ومتصرّفين فيها بعد موتهم مع ذلك ؟ أَ تقولون : إِلهٌ آخر مَعَ اللَّهِ المنعم عليكم بتلك النّعم الجسام قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ آلائه ، وتتوجّهون إلى نعمائه ، أو تتنبّهون للحقّ مع غاية الوضوح . وقيل : إنّ المراد من القليل العدم « 1 » . عن الصادق عليه السّلام ، قال : « نزلت في القائم من آل محمّد ، هو واللّه المضطرّ إذا صلّى في المقام
--> ( 1 ) . تفسير البيضاوي 2 : 181 ، تفسير أبي السعود 6 : 295 ، تفسير روح البيان 6 : 363 .