الشيخ محمد النهاوندي

581

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

الأخضر وبالعكس « 1 » . ثمّ ظنّت أنّ سليمان أراد اختبار عقلها وإظهار معجزة لها ، قالت : وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بنبوتك مِنْ قَبْلِها لدلالة غيرها من المعجزات على صدق دعواك وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ومؤمنين بك من ذلك الوقت . ثمّ بيّن سبحانه علّة إخفائها الايمان به قيل بقوله : وَصَدَّها ومنعها من إظهار الايمان باللّه وبنبوّة سليمان قبل الوقت ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الشمس ، أو النّار ، وعبادتها القديمة لها . ثمّ نبّه سبحانه على نكتة سببية عبادتها السابقة لصدّها بقوله : إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ وناشئة بين أظهرهم ، فلم يمكنها إظهار الاسلام حتى دخلت في مملكة سليمان فصارت من قوم مسلمين . وقيل : إنّ المراد صدّها اللّه أو سليمان عن عبادة غير اللّه « 2 » ، أنّها كانت قبل توفيق اللّه وهداية سليمان من قوم كافرين ، لا تعرف غير مذهبهم . وقيل : إنّ قوله : وَأُوتِينَا الْعِلْمَ إلى آخره ، من كلام سليمان عليه السّلام والمؤمنين به حيث إنّهم لمّا رأوا أنّها قالت : كَأَنَّهُ هُوَ قالوا : إنّها أصابت في الجواب ، فهي عاقلة ، وقد رزقت الاسلام « 3 » . ثمّ عطفوا على ذلك قولهم : وَأُوتِينَا الْعِلْمَ باللّه وبقدرته الكاملة ( قبل علمها ) إظهارا للشكر على تقدّمهم في الاسلام عليها . قيل : لمّا قالت الشياطين : إنّ ساقيها شعراوان وإنّ رجليها كحافر الحمار لا أصابع لها ، أمر سليمان عليه السّلام ببناء قصر صحنه من زجاج أبيض وأجرى من تحته الماء ، وألقى فيه السّموك « 4 » ودوابّ البحر ، ووضع سريره في وسطه ، فجلس عليه ، وعكف عليه الطير والجنّ والإنس ، فلمّا جاءت بلقيس إلى باب القصر « 5 » قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ والقصر الرفيع فَلَمَّا رَأَتْهُ والشمس تشرق عليه ، والماء يموج في صحنه ، والسّموك تسبح فيه حَسِبَتْهُ وتوهّمته لُجَّةً وماء قليلا يبلغ الكعبين ، أو أنصاف السوق ، أو ماء كثيرا تردّد أمواجه ، فشمّرت ذيلها وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها لئلا تبتلّ ثيابها ، فرأى سليمان عليه السّلام أنّها أحسن النساء ساقا وقدما ، خلا أنّها شعراء قالَ سليمان لها : لا تكشفي عن ساقيك ، فان ما ترينه ليس بماء إِنَّهُ صَرْحٌ وقصر مُمَرَّدٌ ومسوّى مِنْ قَوارِيرَ ومصنوع من الزجاج الأبيض الصافي فوق ماء ، أو لم يكن ماء ، بل كان الزجاج الصافي شبيها بالماء .

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 6 : 352 . ( 2 ) . تفسير الرازي 24 : 200 . ( 3 ) . تفسير الرازي 24 : 199 و 200 . ( 4 ) . السّموك ، جمع سمك . ( 5 ) . تفسير روح البيان 6 : 353 .