الشيخ محمد النهاوندي
582
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
قيل : إنّه لمّا رأى ساقها شعراء كرهه ، وأمر الشياطين أن يتّخذوا لها شيئا يذهب الشعر ، فقالوا : نحتال لك حتى تصير كالفضّة ، فاتّخذوا النّورة والحمّام ، فكانت النّورة والحمّام من يومئذ « 1 » . وقيل : إنّ الحمّام الذي ببيت المقدس بباب الأسباط بني لها ، وهو أوّل حمّام بني على وجه الأرض « 2 » . وقيل : إنّ جنّيا قال لسليمان : ابني لك دارا تكون في بيوته الأربعة الفصول الأربعة ، فبنى الحمّام « 3 » . فلمّا علمت بلقيس أنّه قوارير ، استحيت وتستّرت وكمّلت إيمانها بالتوحيد ونبوّة سليمان عليه السّلام قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي باختيار الشرك قبل اهتدائي إلى التوحيد بهداية سليمان . وقيل : حسبت أنّ سليمان عليه السّلام أراد غرقها بالماء ، فلمّا تبيّن لها خطأ ظنّها قالت : ظَلَمْتُ نَفْسِي بسوء ظنّي بسليمان « 4 » وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ وأخلصت التوحيد اقتداء به لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فأظهرت كمال معرفتها بألوهيّته تعالى ، وتفردّه باستحقاق العبادة ، ومعرفتها بالربوبية لجميع الموجودات التي من جملتها الشمس التي كانت تعبدها من قبل ، بالجمع بين ذكر اسم الجلالة ووصفه بالربوبية ، ثمّ تزوّجها سليمان ، ومن قال بذلك استدلّ عليه بنظره عليه السّلام إلى ساقها ، فلو لم يكن مريدا لتزويجها لم يكن له ذلك ، ولم يشاور الإنس والجنّ في علاج إزالة شعرها مع أنّه شاور الإنس فقالوا : موسى ، فقال : الموسى يخدش ساقها ، ثم شاور الجنّ فما اهتدوا إلى شيء ، ثمّ شاور الشياطين فعبؤوا النّورة والحمّام . قيل : أحبّها حبّا شديدا ، وأقرّها على ملكها ، وأمر الجنّ فبنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير مثلها في الارتفاع والحسن ، وكان عليه السّلام يزورها في كلّ شهر مرّة ، ويقيم عندها ثلاثة أيام ، وولدت له داود بن سليمان ، ثمّ مات في حياة أبيه « 5 » . وقيل : إنّه عليه السّلام عرض عليها النكاح فأبته ، وقالت : مثلي لا ينكح الرجال ، فأعلمها سليمان عليه السّلام أنّ النكاح من شريعة الاسلام ، فقالت : إنّ كان ذلك فزوّجني من ذي تبّع ، وكان هو فتى من أبناء ملوك اليمن ، فزوّجها إياه ، ثمّ ردّها إلى اليمن ، وسلّط زوجها على اليمن ، ودعا زوبعة أمير جنّ اليمن ، فأمره أن يكون في خدمته ، ويعمل له ما أستعمله فيه « 6 » . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 45 إلى 47 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ ( 45 ) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 46 ) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ( 47 )
--> ( 1 و 2 و 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 354 . ( 4 ) . تفسير الرازي 24 : 201 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 6 : 354 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 6 : 353 .