الشيخ محمد النهاوندي

578

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ هدّد سليمان بلقيس وقومها على امتناعهم عن طاعته بقوله : ارْجِعْ أيها الرسول المبعوث من قبل ملكة سبأ وقومها إِلَيْهِمْ وأخبرهم أنّي لا انخدع بالهدايا والتّحف ، بل أريد منهم الطاعة والانقياد ، فان أطاعوني واستسلموا لي وإلّا فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ من الجنّ والإنس بِجُنُودٍ عظيمة لا قِبَلَ ولا طاقة لَهُمْ للمقاومة بِها أصلا وَ واللّه لَنُخْرِجَنَّهُمْ من مملكتهم ولنجلينّهم مِنْها حال كونهم أَذِلَّةً بعد كونهم أعزّة وَهُمْ صاغِرُونَ ومستحقرون بالأسر والإجلاء بعد كونهم معظّمون . القمي : فرجع إليها الرسول فأخبرها « 1 » بردّ الهدية وثقب الدرّة وسلك الخيط في الخرزة ، وعظمة حشمة سليمان وكمال قدرته ، فعلمت أنّه لا محيص لها من الانقياد والتسليم ، فبعثت إلى سليمان : أنّي قادمة إليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك ، ثمّ جعلت عرشها في بيت وقفلت أبوابه ، وجعلت عليه حراسا ، وأخذت مفتاح البيت عند نفسها ، ثمّ توجّهت مع عسكرها نحو سليمان . قيل : كان لها اثنا عشر ألف ملك كبير ، تحت كلّ ملك ألوف كثيرة ، وكان سليمان عليه السّلام رجلا مهيبا لا يبدأ بشيء حتى يسأل عنه ، فجلس يوما على سريره ، فرأى جمعا جمّا على فرسخ عنه ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : بلقيس بملوكها وجنودها ، فأقبل سليمان عليه السّلام على أشراف قومه ، وقيل : حين علم بمسيرها إليه « 2 » قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها من بلدة مأرب ، ويحضره لديّ في مكاني هذا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي حال كونهم مُسْلِمِينَ ومنقادين ، أو مؤمنين . أقول : لعلّه عليه السّلام أراد من إحضاره عنده إراءتها معجزة أخرى أوّل ورودها عليه ، لتكون في إيمانها على بصيرة كاملة ، أو أراد اختبار عقلها وفطانتها بعد تنكيره عرشها عندها ، لينظر أنّها تعرفه أو تنكره . قيل : ذلك لأنّ الجنّ قدحوا فيها بنقص العقل لئلا يتزوّجها « 3 » . وقيل : إنّه أراد تملّك عرشها قبل إيمانها لاحترام مالها بعده « 4 » . قالَ ذكوان ، أو كوذي ، أو إصطخر ، وهو عِفْرِيتٌ ومارد خبيث مِنَ شياطين الْجِنِّ قيل : كان رئيسهم ، وكان قبل ذلك متمرّدا على سليمان عليه السّلام ، وكان كالجبل العظيم يضع قدمه عند

--> ( 1 ) . تفسير القمي 2 : 128 ، تفسير الصافي 4 : 66 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 6 : 348 . ( 3 ) . تفسير الرازي 24 : 201 ، تفسير أبي السعود 6 : 289 . ( 4 ) . تفسير الرازي 24 : 197 ، وفيه : قبل إسلامها لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ مالها .