الشيخ محمد النهاوندي
560
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
مصارفها وَهُمْ بِالْآخِرَةِ ودار جزاء الأعمال هُمْ يُوقِنُونَ حقّ الإيقان ، ولذا يجتهدون في الطاعات البدنية التي أهمّها الصلاة ، والعبادات المالية التي أهمّها الزكاة رجاء الثواب وخوفا من العقاب ، وإنّما أتى بضمير الجمع للإشارة إلى اختصاصهم بهذا اليقين ووصفهم بهذا الوصف لإخراج من يظهر الإيمان ويعمل تلك الأعمال مع الشكّ احتياطا . وقيل : إنّ الجملة « 1 » اعتراضية ، والمعنى أن المؤمنين العاملين هم الموقنون بالمعاد « 2 » . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 4 إلى 6 ] إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ( 4 ) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ( 5 ) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ( 6 ) ثمّ أنّه تعالى لمّا خصّ البشرى بالمؤمنين الموقنين بالآخرة ، ذمّ الكفّار وذكر ما خصّ بهم من العذاب الشديد بقوله إِنَّ الكفّار الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ الحسنة ببيان كثرة ثوابها وترغيبهم إليها ، أو أعمالهم القبيحة بأن جعلناها مشتهاة لطباعهم محبوبة لأنفسهم ، أو بأن سلبنا عنهم التوفيق للأعمال الخيرية الموجبة لسلطنة الشيطان عليهم ، وترغيبه لهم ، وتزيينه الأعمال السيئة في نظرهم فَهُمْ يَعْمَهُونَ عنها ولا يدركون ما يتبعها من الثواب على الوجه الأول ، أو من العقاب على الوجه الثاني ، أو المراد يتردّدون في الاشتغال بالقبائح والانهماك فيها من غير ملاحظة لما يترتّب عليها من الضّرر والعقوبة . أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وشديده في الدنيا ، أو في الآخرة وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ والأغبنون لتضييعهم العمر والعقل اللذين هما بمنزلة رأس المال ، وتفويتهم المثوبات العظيمة ، وتحصيلهم العقوبات الشديدة ، فلا يعدلهم خاسر . ثمّ أنّه تعالى بعد تعظيم القرآن وبيان فوائده وكثرة علومه ، صرّح بكونه نازلا منه بقوله : وَإِنَّكَ يا محمد لَتُلَقَّى ولتعطى الْقُرْآنَ وتأخذه بتوسّط جبرئيل مِنْ لَدُنْ إله حَكِيمٍ أيّ حكيم و عَلِيمٍ أيّ عليم ! فبحكمته بيّن فيه المعارف والأحكام ، وبعلمه ذكر فيه القصص والعبر الكثيرة . قيل : إنّ هذا تمهيد لما يريد أن يسوق بعده من القصص ، فكأنه تعالى قال : خذ من آثار حكمته وعلمه قصّة موسى عليه السّلام المشتملة على العلوم النظرية من توحيده وقدرته وسائر صفاته الكمالية « 3 » .
--> ( 1 ) . في النسخة : الجملتين . ( 2 ) . تفسير الرازي 24 : 78 ، تفسير البيضاوي 2 : 170 ، تفسير روح البيان 6 : 319 . ( 3 ) . تفسير الرازي 24 : 180 .