الشيخ محمد النهاوندي

524

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

حكى اللّه بقوله : فَأَخْرَجْناهُمْ بتدبيرنا من تهيئة أسباب الخروج لهم ، وإيجاد الداعي فيهم مِنْ جَنَّاتٍ وبساتينهم التي فيها كثير أنهار وَعُيُونٍ ومنابع ماء وَ من كُنُوزٍ وأموال وفيرة لم ينفقوها في طاعة كما قيل « 1 » وَ من مَقامٍ كَرِيمٍ ومنازل حسنة ومجالس بهيّة والأمكنة التي كانوا يتنعّمون فيها ، وإنّما يكون الإخراج الذي هو من غضب اللّه كَذلِكَ الإخراج العجيب الهائل من جميع الأحوال والأمكنة وَأَوْرَثْناها وملكناها بعدهم بَنِي إِسْرائِيلَ قيل : إنّهم رجعوا بعد هلاك فرعون إلى مصر ، وتصرّفوا [ في ] أموال القبط « 2 » . وقيل : إنّهم تصرفوا فيها « 3 » في زمن داود « 4 » . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 60 إلى 62 ] فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ( 60 ) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( 61 ) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 62 ) ثمّ بيّن كيفية إهلاك فرعون وقومه بقوله : فَأَتْبَعُوهُمْ ولحقوهم حال كونهم مُشْرِقِينَ وداخلين في وقت طلوع الشمس ، وقيل : يعني ذهبوا وراءهم من ناحية المشرق « 5 » فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ وتقارب كلّ من أصحاب فرعون أصحاب موسى من الآخر قالَ أَصْحابُ مُوسى له يا موسى إِنَّا واللّه لَمُدْرَكُونَ وملحقون ومأخوذون ، أو مهلكون حين لحوقهم بنا قالَ موسى تسلية وزجرا لهم عن هذا الوهم : كَلَّا لن يدركوكم أبدا ، وكيف يدركونكم و إِنَّ مَعِي بالنّصرة والحفظ رَبِّي وانه سَيَهْدِينِ ويدلّني البتة إلى طريق النجاة منهم وكيفية إهلاكهم . روي أنّ أصحاب فرعون لمّا قربوا من بني إسرائيل ، خلق اللّه بخارا حال بين الفريقين بحيث لم ير أحد منهم الآخر ، فقال فرعون لأصحابه : انزلوا وتوقفوا حتى ترتفع الشمس ويزول البخار ، فإنّه لا مفرّ لبني إسرائيل لأنّ أمامهم البحر ، ونحن وراءهم « 6 » . وروي أنّ مؤمن آل فرعون كان عند موسى ، فقال له : أين أمرت ، فهذا البحر أمامك وقد غشيك آل فرعون ؟ ! فقال موسى : أمرت بالبحر ، ولعلي أؤمر بما أصنع « 7 » . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 63 إلى 68 ] فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ( 63 ) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ ( 64 ) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ( 65 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ( 66 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 67 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 68 )

--> ( 1 و 2 ) . تفسير روح البيان 6 : 278 . ( 3 ) . في النسخة : تصرّفوها . ( 4 ) . تفسير روح البيان 6 : 278 . ( 5 ) . تفسير القرطبي 13 : 106 ، تفسير روح المعاني 19 : 84 . ( 6 ) . تفسير الرازي 24 : 139 . ( 7 ) . تفسير روح البيان 6 : 279 .