الشيخ محمد النهاوندي

519

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

الناس بك ، فإذا ظهر كذبهما كنت معذورا فيما فعلت بهما من الحبس والقتل وَابْعَثْ وارسل الشّرط فِي الْمَدائِنِ قيل : يعني مدائن الصعيد في نواحي مصر « 1 » حال كونهم حاشِرِينَ وجامعين الناس حتى يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ في فنّ السحر يفضلون عليه فيه . روي أنّ فرعون أراد قتل موسى ، ولم يكن يصل إليه ، فقالوا له : لا تفعل فانّك إن قتلته أدخلت على الناس في أمره شبهه ، ولكن أرجه وأخاه إلى أن تحشر السحرة ليقاوموه ، فلا تثبت له عليك حجّة ، ثمّ أشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يحشرون ويجمعون السّحرة ظنّا منهم بأنّهم إذا كثروا غلبوه وكشفوا حاله وعارضوا قوله : إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ بقولهم : بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ [ فجاءوا بكلمة الإحاطة وبصيغة المبالغة ] ليطيّبوا قلبه ، وليسكّنوا قلقه « 2 » . فبعث فرعون الشّرط إلى المدائن فَجُمِعَ السَّحَرَةُ وهم اثنان وسبعون ، أو سبعون ألفا ، على اختلاف فيه في الإسكندرية على ما قيل « 3 » لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وزمان معين لحضورهم ، وهو وقت الضحى ، ويوم معين وهو يوم الزينة . وَقِيلَ من قبل فرعون لِلنَّاسِ من أهالي مصر وغيره ممّن يمكن حضوره : هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ في مجمع موسى والسّحرة ، ولتشاهدوا تعارضهم وتغالبهم ؟ وإنما قالوا ذلك حثّا على مبادرتهم إليه . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 40 إلى 42 ] لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ ( 40 ) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ( 41 ) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 42 ) ثمّ بيّنوا الغرض من الاجتماع بقولهم : لَعَلَّنا ورجاء منّا أن نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ في دينهم إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ على موسى في السّحر . فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ إلى باب فرعون ، وأذن لهم في الدخول عليه ، واستمال قلوبهم ، وحثّهم على معارضة موسى قالُوا لِفِرْعَوْنَ يا فرعون أَ إِنَّ لَنا عندك لَأَجْراً جزيلا وجعلا عظيما من المال أو الجاه إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ على موسى ؟ قالَ فرعون : نَعَمْ لكم عندي أجر عظيم من المال وَإِنَّكُمْ مع ذلك إِذاً وحين غلبتموه لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ عندي . قيل : وعدهم أن يكونوا أول من يدخل عليه وآخر من يخرج من عنده ، وكان ذلك أعظم الشأن

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 6 : 271 . ( 2 ) . تفسير الرازي 24 : 132 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 272 .