الشيخ محمد النهاوندي
492
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
مع عقلهم لا يعرفون ربّهم المحسن إليهم ، ولا ينقادون لمن يدلّهم إلى معرفته ، ولا يطلبون ثوابه الذي هو أعظم المنافع ، ولا يجتنبون عقابه الذي هو أعظم المضارّ ، ولأنّها لو لم تعتقد حقّا لا تعتقد باطلا ولا تكسب شرا بخلاف هؤلاء ، ولأنّ جهالتها وضلالها لا تضرّ أحدا ، وجهالة هؤلاء وضلالهم تؤدي إلى هج « 1 » الفتن وصدّ الناس عن كلّ حقّ وخير ، ولأنّها عاجزة عن تحصيل الكمال ، فلا تقصير منها ولا ذمّ عليها ، بخلاف هؤلاء فانّهم قادرون عليه ، مقصرّون فيه ، مستحقّون لأشد الذمّ والعقاب . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 45 إلى 46 ] أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) ثمّ أنّه تعالى لمّا ذمّ المشركين بعدم سماعهم الحجج على توحيده ، وعدم تفكّرهم فيها ، شرع في بيان أوضح الحجج عليها زائدا على ما سبق بقوله : أَ لَمْ تَرَ بعين رأسك ، وبعين قلبك يا محمد إِلى صنع رَبِّكَ أنّه بقدرته الكاملة كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وبسط الكيفية المتوسطة بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة التي تكون بين الطلوعين وتحت السقوف وأفنية الجدران ، وهي الحالة التي تكون أطيب الأحوال ، لأنّ الظلمة الخالصة يكرهها الطبع ، وينفر عنها الحس ، والضوء الخالص يبهر البصر ، ويؤثّر السخونة الشديدة ، ولذا وصف سبحانه الجنّة بها بقوله : وَظِلٍّ مَمْدُودٍ « 2 » ومن المعلوم أنه من النّعم العظيمة والمنافع الجليلة التي لا بدّ لها من موجد ، ولا يكون إلّا اللّه ، لعدم قدرة غيره على إيجاده . وَلَوْ شاءَ اللّه سكونه ، ورأى الصلاح فيه لَجَعَلَهُ ساكِناً وثابتا على حالة واحدة من الطول والعرض والامتداد والإقامة ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ومعرّفا ، لأنّ الأشياء تعرف بأضدادها ، فانّه لولا الشمس لما رؤي « 3 » غير الجسم ولونه ، ولا يري الظلّ موجودا ثالثا ، فإذا أشرقت الشمس وزال الظلّ بضوئها ، عرف أنّه شيء بحياله ، كما أنّه لولا الظلمة لما عرف النور ، فالمراد من الآية أنا خلقنا الظلّ أولا لما فيه من المنافع ، ثم هدينا العقول إلى معرفة وجوده باطّلاع الشمس ، فكانت الشمس دليلا على وجود الظلّ الذي هو نعمة عظيمة . ثُمَّ قَبَضْناهُ ورفعناه إِلَيْنا قَبْضاً ورفعا ، ولكن لا دفعة ، بل يسيرا يَسِيراً فانّ الشمس كلّما ازدادت ارتفاعا ازداد الظلّ نقصانا من جانب المغرب .
--> ( 1 ) . يقال : هجّ النار ، أوقدها ، وفي تفسير روح البيان 6 : 218 : هيج . ( 2 ) . الواقعة : 56 / 30 . ( 3 ) . في النسخة : رأى .