الشيخ محمد النهاوندي
493
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وقيل : لمّا خلق اللّه السماء والأرض والشمس والقمر والكواكب ، وقع الظلّ على الأرض « 1 » . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 47 إلى 49 ] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً ( 49 ) ثمّ لمّا كانت الأظلال تتحرّك بحركات الأضواء ، جعل ضوء الشمس كالهادي ، والظلّ كالمهتدي في سلوكه بالضوء ، وقبضه إنّما يكون عند قيام الساعة بقبض الأجرام التي يقع الظلّ عليها ، ويكون هذا القبض يسيرا وسهلا على اللّه وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ بقدرته وحكمته لَكُمُ اللَّيْلَ ساترا بظلامه ، كأنّه يكون لِباساً لكم وَ جعل النَّوْمَ فيه سُباتاً وراحة لأبدانكم ، حيث إنّه مستلزم للفراغ من المشاغل والزحمات ، أو موتا كما قال : هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ « 2 » . وَجَعَلَ النَّهارَ والوقت الذي ينتشر فيه ضوء الشمس نُشُوراً لكم ووقت التفرّق في الأرض لطلب معاشكم وتحصيل رزقكم ، أو وقت القيام من الموت ، فشبّه سبحانه النوم عليه بالموت ، واليقظة بالبعث بعده ، تنبيها على أن النوم واليقظة كما يكونان نعمة عظيمة يكونان أنموذج الموت والبعث . عن لقمان ، أنه قال : يا بني كما تنام فتوقظ ، كذلك تموت فتنشر « 3 » ، أو فتحشر « 4 » . وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ حال كونها بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وقدّام المطر النافع الذي فيه حياة كلّ شيء ، وَأَنْزَلْنا بقدرتنا ورحمتنا بعد إرسال الرياح مِنَ السَّماءِ المطل ، والسقف المحفوظ ، أو من جهة العلوّ ماءً طَهُوراً يتطهّر به من الأحداث والأرجاس والقذارات ، فإن الطهارة نعمة ومنّة زائدة ، حيث إنّ الماء الطهور أنفع وأهنأ ، ويكون إنزاله لِنُحْيِيَ بِهِ بالنبت والزرع والأشجار والأزهار والثّمار بَلْدَةً وقطعة من الأرض التي تكون مَيْتاً لا نبت فيها ولا عمارة ، ولنشرب ذلك الماء وَنُسْقِيَهُ بعضا مِمَّا خَلَقْنا أعني أَنْعاماً وَأَناسِيَّ ومواشي وبشرا كَثِيراً . قيل : إنّ المراد بهم أهل البوادي ، فانّهم يعيشون بماء المطر ، ولذا نكّر سبحانه الأنعام والاناسي . وأمّا أهل المدن والقرى ، فانّهم يقيمون بقرب الأنهار والمنابع ، والوحوش والطيور تبعد في طلب
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 24 : 89 . ( 2 ) . الأنعام : 6 / 60 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 222 . ( 4 ) . تفسير الرازي 24 : 90 .