الشيخ محمد النهاوندي

487

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وبماذا أهلكوا ؟ فإنّي أجد في كتاب اللّه تعالى ذكرهم ، ولا أجد خبرهم ؟ فقال علي عليه السّلام : لقد سألت عن حديث ما سألني عنه أحد قبلك ، ولا يحدّثك به أحد بعدي إلّا عنّي ، وما في كتاب اللّه عزّ وجلّ آية إلّا وأنا أعرفها ، وأعرف تفسيرها ، وفي أيّ مكان نزلت من سهل أو جبل ، وفي أيّ وقت من ليل أو نهار ، وإن [ ها ] هنا لعلما جمّا - وأشار إلى صدره - ولكن طلابه يسير ، وعن قليل تندمون لو فقدتموني « 1 » . وكان من قصّتهم يا أخا تميم أنّهم كانوا يعبدون شجرة صنوبر يقال لها شاه درخت ، كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها دوشاب ، كانت انبطّت « 2 » لنوح عليه السّلام بعد الطّوفان ، وإنّما سمّوا أصحاب الرّسّ لأنهم رسّوا نبيهم في الأرض ، وذلك بعد سليمان بن داود عليه السّلام وكانت لهم اثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقال له الرّسّ من بلاد المشرق ، وبهم سمّي ذلك النهر ، ولم يكن يومئذ نهر أغزر منه ولا أعذب منه ، ولا قرى أكثر ولا أعمر منها ، تسمّى إحداهن أبان ، والثانية آذر ، والثالثة دي ، والرابعة بهمن ، والخامسة اسفندار ، والسادسة فروردين ، والسابعة أردي بهشت ، والثامنة خرداد ، والتاسعة مرداد ، والعاشرة تير ، والحادية عشرة مهر ، والثانية عشرة شهريور . وكانت أعظم مدائنهم إسفندار ، وهي التي ينزلها ملكهم ، وكان يسمّى تركور بن عابور « 3 » بن يارش بن سار « 4 » بن نمرود بن كنعان فرعون إبراهيم عليه السّلام ، وبها العين والصّنوبرة ، وقد غرسوا في كلّ قرية منها حبّة من طلع تلك الصّنوبرة ، فنبتت الحبّة وصارت شجرة عظيمة ، وحرّموا ماء العين والأنهار ، فلا يشربون منها ولا أنعامهم ، ومن فعل ذلك قتلوه ، ويقولون : هو حياة آلهتنا ، فلا ينبغي لأحد أن ينقص من حياتها ، ويشربون هم وأنعامهم من نهر الرّسّ الذي عليه قراهم . وقد جعلوا في كلّ شهر من السنة في كلّ قرية عيدا تجتمع إليه أهلها ، فيضربون على الشجرة التي بها كلّة من حرير فيها من أنواع الصّور ، ثمّ يأتون بشاة وبقر يذبحونهما « 5 » قربانا للشجرة ، ويشعلون فيها النيران بالحطب ، فإذا سطع دخان تلك الذبائح وقتارها « 6 » في الهواء ، وحال بينهم وبين النظر إلى السماء خرّوا سجّدا للشجرة ، ويبكون ويتضّرعون إليها أن ترضى عنهم ، وكان الشيطان يجيء فيحرك أغصانها ، ويصيح من ساقها صياح الصبي : إنّي رضيت عنكم عبادي ، فطيبوا نفسا ، وقرّوا عينا ،

--> ( 1 ) . في عيون أخبار الرضا عليه السّلام : يندمون لو فقدوني . ( 2 ) . في النسخة : أنبتت . ( 3 ) . في عيون أخبار الرضا عليه السّلام : تركوذ بن غابور . ( 4 ) . في عيون أخبار الرضا عليه السّلام : سازن . ( 5 ) . في عيون أخبار الرضا عليه السّلام : فيذبحونها . ( 6 ) . القتار : دخان ذو رائحة خاصة ينبعث من الطبيخ أو الشّواء أو البخور .