الشيخ محمد النهاوندي
488
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
فيرفعون رؤوسهم عند ذلك ، ويشربون الخمر ، ويضربون بالمعازف ، ويأخذون « الدست بند » « 1 » ، فيكونون على ذلك يومهم وليلتهم ، ثمّ ينصرفون . وإنّما سمّيت العجم شهورها بأبان ماه وآذرماه وغيرهما اشتقاقا من أسماء تلك القرى ، يقول « 2 » أهلها بعضهم لبعض هذا عيد شهر كذا ، وعيد « 3 » شهر كذا ، حتى إذا كان عيد « 4 » قريتهم العظمى اجتمع إليه صغيرهم وكبيرهم ، فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقا من ديباج « 5 » عليه أنواع الصور ، له اثنا عشر بابا ، كلّ باب لأهل قرية منهم ، ويسجدون للصّنوبرة خارجا من السّرادق ، وما يقرّبون لها من الذبائح أضعاف ما قرّبوا للشجرة التي في قراهم فيجيء إبليس عند ذلك فيحرّك الصنوبرة تحريكا شديدا ، ويتكلّم من جوفها كلاما جهوريا ويعدهم ويمنّيهم بأكثر ممّا وعدتهم ومنّتهم الشياطين كلها ، فيرفعون رؤوسهم من السّجود وبهم من الفرح والنشاط ما لا يفيقون ولا يتكلّمون من الشّرب والعزف ، فيكونون على ذلك اثني عشر يوما ولياليها بعدد أعيادهم سائر السنة ، ثمّ ينصرفون . فلمّا طال كفرهم باللّه عز وجل وعبادتهم غيره ، بعث اللّه سبحانه إليهم نبيا من بني إسرائيل من ولد يهودا بن يعقوب ، فلبث فيهم زمانا طويلا يدعوهم إلى عبادة اللّه عزّ وجل ومعرفته وربوبيته فلا يتّبعونه ، فلمّا رأى شدّة تماديهم في الغيّ والضّلال ، وتركهم قبول ما دعاهم إليه من الرّشد والنجاح ، وحضر عيد قريتهم العظمى قال : يا ربّ ، إنّ عبادك أبوا إلّا تكذيبي والكفر بك ، وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضرّ ، فأيبس شجرهم أجمع ، وأرهم قدرتك وسلطانك . فأصبح القوم وقد يبس شجرهم ، فهالهم ذلك ، وفظع « 6 » بهم ، وصاروا فرقتين : فرقة قالت : سحر آلهتكم هذا الرجل الذي يزعم أنّه رسول إله السماء والأرض إليكم ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه ، وفرقة قالوا : لا ، بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ويقع فيها ويدعوكم إلى عبادة غيرها ، فحجبت حسنها وبهاءها لكي تغضبوا عليه « 7 » ، فتنتصروا منه ، فأجمع رأيهم على قتله ، فاتخذوا أنابيب طوالا من رصاص واسعة الأفواه ، ثمّ أرسلوها في قرار العين إلى أعلى الماء واحدة فوق الأخرى مثل البرابخ « 8 » ، ونزحوا ما فيها من الماء ، ثمّ حفروا في قرارها بئرا ضيقة المدخل عميقة ،
--> ( 1 ) . الدست بند : لعبة للمجوس يدورون فيها وقد أمسك بعضهم يد بعض كالرقص . ( 2 ) . في عيون أخبار الرضا عليه السّلام : لقول . ( 3 ) . في النسخة : عيد . ( 4 ) . زاد في عيون أخبار الرضا عليه السّلام : شهر . ( 5 ) . السّرادق : كل ما أحاط بشئ من حائط أو مضرب ، والديباج : قماش سداه ولحمته حرير . ( 6 ) . في عيون أخبار الرضا عليه السّلام : وقطع . ( 7 ) . في عيون أخبار الرضا عليه السّلام : لها . ( 8 ) . البرابخ : جمع بربخ ، منفذ الماء ومجراه ، والبالوعة من الخزف .