الشيخ محمد النهاوندي
484
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ حكى سبحانه اعتراض المشركين على القرآن بنزوله نجوما بقوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من قريش طعنا على القرآن : لَوْ لا وهلّا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً ودفعة واحِدَةً كتوراة موسى ، وإنجيل عيسى على ما قاله أهل الكتاب ؟ فأجاب سبحانه عنه بقوله : كَذلِكَ التفريق فرّقناه لِنُثَبِّتَ ولنقوّي بِهِ فُؤادَكَ وقلبك في التبليغ ، لكون كلّ آية في حادثة وواقعة معجزة ظاهرة مستقلة ، فعجزهم عن إتيان مثلها دليل واضح على صدقك ، فيكون القرآن معجزات كثيرة بحسب كثرة آياته ، فلو نزل جملة واحدة لعدّ جميعه معجزة واحدة ، ولكون نزوله على حسب أسئلة الناس والوقائع موجبا « 1 » لازدياد بصيرتهم ، لانضمام فصاحته بالأخبار المغيبة ، مع أنّ في نزوله مفرّقا رفقا بالعباد وتسهيلا « 2 » للعمل بالأحكام قليلا قليلا ، فلو نزلت الأحكام جملة واحدة لثقلت عليهم ، وخرجوا من الدين ، ففي ثباتهم عليه مع ما استلزم التفريق من رؤية جبرئيل وقتا بعد وقت وحالا بعد حال تقوية لقلبك الشريف . وَ كذلك رَتَّلْناهُ وقرأناه عليك شيئا فشيئا ، وعلى تؤدة ومهل تَرْتِيلًا حسنا موجبا لتيسّر فهمه وحفظه والالتفات إلى جهات إعجازه وَلا يَأْتُونَكَ يا محمّد بِمَثَلٍ وسؤال عجيب واعتراض غريب يعدّ في الغرابة من الأمثال ، يريدون به القدح في نبوّتك ، والطعّن في كتابك إِلَّا جِئْناكَ وأوحينا إليك جوابا مقرونا بِالْحَقِّ المبطل لما أتوا به وَ بما يكون أَحْسَنَ تَفْسِيراً وألطف بيانا وتفصيلا ، لما هو الصواب ومقتضى الحكمة . قيل : إنّ كلّ نبي إذا اعترض عليه قومه ، كان هو بنفسه يردّ عليهم ، وأما نبينا صلّى اللّه عليه وآله فكان إذا قال له قومه شيئا كان اللّه يردّ عليهم « 3 » . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 34 ] الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً ( 34 ) ثمّ هدّد اللّه الطاعنين في القرآن المعترضين عليه بقوله : الَّذِينَ يُحْشَرُونَ ويساقون من قبورهم إلى المحشر ماشين عَلى وُجُوهِهِمْ ويسحبون عليها ويجرّون إِلى جَهَنَّمَ . في الحديث : « يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف : صنف على الدوابّ ، وصنف على الأقدام ، وصنف على الوجوه » فقيل : يا نبي اللّه ، كيف يحشرون على وجوههم ؟ فقال : « إنّ الذي أمشاهم على أقدامهم ، فهو قادر على أن يمشيهم على وجوههم » « 4 » .
--> ( 1 ) . في النسخة : موجب . ( 2 ) . في النسخة : رفق بالعباد وتسهيل . ( 3 و 4 ) . تفسير روح البيان 6 : 209 .