الشيخ محمد النهاوندي

476

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

السؤال ، أو تنزيها له تعالى من الأنداد : سُبْحانَكَ ربّنا ما كانَ يَنْبَغِي وما استقام لَنا بعد معرفتنا بألوهيتك وتوحيدك وعظمتك أَنْ نَتَّخِذَ لأنفسنا مِنْ دُونِكَ وممّا سواك أَوْلِياءَ ومعبودين ، فكيف ندعو غيرنا إلى أن يتّخذنا وليا ومعبودا ؟ وقيل : يعني ما كان ينبغي لنا أن نتّخذ الكفّار الذين هم أعداؤك أولياء ، فنكون كالشياطين الذين تولّوا الكفّار كما يولّونهم « 1 » ، أو ما كان لنا أن نتّخذ من دون رضاك وليا ومحبا فضلا عن أن نتّخذ عبدا « 2 » . وَلكِنْ يا إلهنا أنت مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ من الدنيا ، وأكثرت عليهم نعيمها حَتَّى استغرقوا فيها و نَسُوا الذِّكْرَ والإيمان بك ، أو القرآن والأحكام ، أو ما فيه حسن ذكرهم في الدارين ، أو التذكّر لآلائك ، والتدبّر في آياتك ، أو تركوا ما وعظوا به وَكانُوا لذلك قَوْماً بُوراً وصاروا جماعة هلكى بعذاب الآخرة . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 19 إلى 20 ] فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ( 19 ) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً ( 20 ) ثمّ التفت سبحانه من الغيبة إلى الخطاب للعبيد ، احتجاجا عليهم ، وإلزاما لهم بقوله : فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ أيّها المشركون بِما تَقُولُونَ في الدنيا من أنّهم آلهة وأنّهم أضلّونا فَما تَسْتَطِيعُونَ ولا تملكون صَرْفاً ودفعا للعذاب عنكم بوجه من الوجوه وَلا نَصْراً لأنفسكم من قيد أصنامكم التي تزعمون أنّهم يشفعونكم ويدفعون البليات عنكم ، ثمّ عمّ التهديد لكلّ عاص بقوله : وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ أيّها الناس على نفسه باختيار الشّرك والعقائد الفاسدة والأعمال السيئة نُذِقْهُ في الآخرة عَذاباً كَبِيراً وعقوبة شديدة في الغاية . ثمّ صرّح سبحانه بجواب المعترضين على رسالة الرسول صلّى اللّه عليه وآله بكونه بشرا بقوله : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ أحدا مِنَ الْمُرْسَلِينَ العظام الذين ثبتت رسالتهم بالمعجزات الباهرات إِلَّا إِنَّهُمْ واللّه لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ كسائر الناس ، ولم يكن ذلك منافيا لرسالتهم ، فلا تكون أنت بدعا منهم وَجَعَلْنا الناس بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ آخر فِتْنَةً وابتلاء وامتحانا الرسل للمرسل إليهم ، والفقراء للأغنياء ، والسّقماء للأصحّاء ، والسّفلة للأعالي ، والعبيد للموالي ، والرعايا للسلاطين .

--> ( 1 و 2 ) . تفسير الرازي 24 : 63 .