الشيخ محمد النهاوندي

473

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ « 1 » الآية . قال : فبينما جبرئيل عليه السّلام والنبي صلّى اللّه عليه وآله يتحدّثان إذ فتح باب من أبواب السماء لم يكن فتح قبل ذلك ، ثمّ قال : ابشر يا محمّد ، هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضا من ربّك ، فسلّم عليه ، وقال : [ إنّ ] ربّك يخيّرك بين أن تكون نبيا ملكا ، وبين أن تكون نبيا عبدا ، ومعه سفط من نور يتلألأ ، ثمّ قال : هذه مفاتيح خزائن الدنيا فاقبضها من غير أن ينقصك اللّه ممّا أعدّ لك في الآخرة جناح بعوضة ، فنظر النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى جبرئيل كالمستشير ، فأومأ بيده أن تواضع ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « بل نبيا عبدا » . قال : فكان صلّى اللّه عليه وآله بعد ذلك لم يأكل متّكئا حتى فارق الدنيا « 2 » . وعن عائشة قالت : قلت : يا رسول اللّه ، ألا تستطعم اللّه فيطعمك ؟ قالت : فبكيت لما رأيت به من الجوع وشدّ الحجر [ على بطنه ] من السّغب ، فقال : يا عائشة ، والذي نفسي بيده لو سألت ربي أن يجري معي جبال الدنيا ذهبا لأجراها حيث شئت من الأرض ، ولكن اخترت جوع الدنيا على شبعها ، وفقرها على غناها ، وحزنها على فرحها . يا عائشة ، إنّ الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد « 3 » . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 11 إلى 12 ] بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً ( 11 ) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ( 12 ) ثمّ بيّن سبحانه علّة صدور هذه الخرافات عنهم بقوله : بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ كأنه « 4 » سبحانه قال : لم يحملهم على هذه الأقاويل الباطلة شبهة حقيقية في نبوتك ، بل حملهم عليها وعلى تكذيبك عنادهم وعدم خوفهم من الساعة ودار الجزاء ، لأنّهم يكذّبونها ، أو أنّهم كذبّوها لثقل الاستعداد لها عليهم ، أو المراد أنّهم لا ينتفعون بدلائل نبوتك ، ولا يتفكّرون فيها لتكذيبهم بالساعة ، وعدم رجائهم الثواب ، وعدم خوفهم من العقاب ، وقصور أنظارهم على الزّخارف الدنيوية ، وظنّهم أن الكرامة إنّما هي في الغنى والثّروة ، ولذا عيّروك بالفقر . ثمّ هدّد المكذّبين بالساعة بقوله : وَأَعْتَدْنا وهيّئنا في الآخرة لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ وأنكر دار الجزاء سَعِيراً ونارا شديدة الحرّ والاشتعال . وقيل : إنّ السعير من أسامي جهنم « 5 » . ثمّ وصف اللّه السعير بقوله : إِذا رَأَتْهُمْ تلك السعير مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ غاية البعد ، كما بين

--> ( 1 ) . الفرقان : 25 / 20 . ( 2 ) . تفسير الرازي 24 : 54 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 193 . ( 4 ) . في النسخة : كان . ( 5 ) . تفسير الرازي 24 : 55 ، تفسير البيضاوي 2 : 136 .