الشيخ محمد النهاوندي
472
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 10 ] تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ( 10 ) ثمّ أجاب سبحانه عن خرافاتهم بقوله : تَبارَكَ وتعالى الإله الَّذِي إِنْ شاءَ ورأى الصلاح جَعَلَ لَكَ في الدنيا خَيْراً وأفضل مِنْ ذلِكَ الذي يقولون من النّعم الدنيوية كالكنز والجنّة ، وذلك الخير هو جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً مشيّدة كقصور الجنّة . روي أن مترفي قريش عيّروا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالفقر ، فجاء رضوان خازن الجنان بعد نزول تلك الآيات إلى النبيّ ، وكانت معه حقّة « 1 » ، فوضعها عند النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وقال : يا رسول اللّه ، إن فيها مفاتيح خزائن الأرض ، أعطاك ربك [ إياها ] ويقول : خذها وتصرّف في خزائن الأرض كيف شئت من غير أن ينقص من كرامتك عليّ شيء . فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله « يا رضوان ، مالي إليها حاجة ، فانّ الفقر أحبّ إليّ ، وأريد أن أكون عبدا شكورا صبورا » « 2 » . وفي الحديث : أن ربي عرض عليّ أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا ، قلت : لا يا رب ، ولكن أجوع يوما وأشبع يوما ، فأمّا اليوم الذي أجوع فيه فاتضرّع إليك وأدعوك ، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك « 3 » . عن ابن عباس قال : بينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله جالس وجبرئيل عليه السّلام عنده ، قال جبرئيل عليه السّلام : هذا ملك قد نزل من السماء ، استأذن ربّه في زيارتك ، فلم يلبث إلّا قليلا حتى جاء الملك ، وسلّم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقال : إنّ اللّه يخيّرك بين أن يعطيك مفاتيح كلّ شيء ، لم يعطها أحدا قبلك ، ولا يعطيها أحدا بعدك ، من غير أن ينقصك ممّا ادّخر لك شيئا . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « بل يجمعها جميعا لي في الآخرة » . فنزل [ قوله ] تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ الآية « 4 » . وعنه رحمه اللّه : قال صلّى اللّه عليه وآله : « عرض عليّ حبرئيل بطحاء مكة ذهبا ، فقلت : [ بل ] شبعة وثلاث جوعات ، وذلك أكثر لذكري ومسألتي لربّي » « 5 » . وفي رواية قال : « أشبع يوما وأجواع ثلاثا ، فأحمدك إذا شبعت ، واتضرّع إليك إذا جعت » « 6 » . وعن الضحّاك : لمّا عيّر المشركون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بالفاقة حزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لذلك ، فنزل جبرئيل عليه السّلام معزّيا له وقال : إنّ اللّه يقرئك السّلام ، ويقول : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ
--> ( 1 ) . في أسباب النزول : سفط . ( 2 ) . أسباب النزول للواحدي : 188 ، تفسير روح البيان 6 : 192 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 192 . ( 4 و 5 و 6 ) . تفسير الرازي 24 : 54 .