الشيخ محمد النهاوندي

456

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

الصبيان الذين لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ ولم يصلوا إلى حدّ البلوغ مِنْكُمْ أيّها الأحرار ثَلاثَ مَرَّاتٍ في اليوم والليلة في أوقات تكرهون أن يمرّ عليكم فيها أحد . أحدها : الوقت الذي يكون مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ فانّه وقت القيام من المضاجع وخلع ثياب النوم ، ولبس « 1 » ثياب اليقظة . وَ الثاني : حِينَ تَضَعُونَ وتخلعون ثِيابَكُمْ التي تلبسونها في النهار مِنَ الظَّهِيرَةِ وشدّة الحرّ لأجل القيلولة ، وهي بعد انتصاف النهار . وقيل : مِنَ الظَّهِيرَةِ بيان للحين « 2 » ، والمعنى وقت الظهر ، وإنّما عبّر عن الوقت بملاك الأمر ، وهو وضع الثياب والتجرّد دون الوقت الأول الثالث لمعروفيتهما به دون الوسط . والثالث : الوقت الذي يكون في الليل حين النوم وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ فانّه وقت التجرّد عن اللباس والدخول في فراش النوم والالتحاف باللّحاف ، فتلك الأوقات ثَلاثُ عَوْراتٍ وأوقات تكون لَكُمْ يختلّ فيها التستّر بحسب العادة . ثمّ صرّح سبحانه بالترخيص في الدخول بغير الاستئذان للمماليك والصبيان الأحرار بعد كلّ واحد من تلك الأوقات ، وكأنّه قيل : ما حكم الأوقات الاخر ؟ فأجاب سبحانه بقوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ وحرج أو إثم بَعْدَهُنَّ في الدخول بغير الاستئذان ، لعدم ما يوجبه من الاطّلاع على العورات ، مع أنّ المماليك والصبيان طَوَّافُونَ ودوّارون عَلَيْكُمْ للخدمة بل بَعْضُكُمْ طائف عَلى بَعْضٍ هم يطوفون عليكم للخدمة ، وأنتم تطوفون عليهم للاستخدام والتربية فالاستئذان بعد الضرورة إلى المخالطة مستلزم للحرج والضيق ، ولمّا كان الطّواف شاملا للفريقين ، لم يكتف سبحانه بقوله : طَوَّافُونَ بل أبدل من طَوَّافُونَ بقوله : بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ وهذا الأمر بالنسبة إلى البالغين تكليف ، وبالنسبة إلى الصبيان تمرين . ثمّ أظهر سبحانه المنّة على الناس بقوله : كَذلِكَ التبيّن يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الدالة على المعارف والأحكام ، وينزلها واضحة الدلالة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوالكم ومصالحكم حَكِيمٌ في أفعاله وتشريع أحكامه . روي أن غلاما لأسماء بنت أبي مرثد دخل عليها في وقت كرهته فنزلت « 3 » . وقيل : إنّه أرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مدلج بن عمرو الأنصاري وقت الظهيرة ليدعو عمر ، وكان غلاما ،

--> ( 1 ) . في النسخة : اليوم ، وليس . ( 2 ) . تفسير روح البيان 6 : 175 . ( 3 ) . تفسير الرازي 24 : 29 ، تفسير أبي السعود 6 : 193 .