الشيخ محمد النهاوندي
419
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وَ في الْآخِرَةِ من ضروب الآلاء التي من جملتها العفو والمغفرة المقدّران واللّه لَمَسَّكُمْ ولأصابكم عاجلا فِيما أَفَضْتُمْ وبسبب ما خضتم فِيهِ من حديث الإفك عَذابٌ عَظِيمٌ يستحقر دونه كلّ عذاب ، فضلا عن التوبيخ والجلد . ثمّ بيّن سبحانه وقت المسّ ، أو وقت الإفاضة والخوض في الإفك بقوله : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ وتأخذونه من غيركم حين ملاقاة بعضكم لبعض بِأَلْسِنَتِكُمْ حتى شاع وانتشر هذا الحديث بين الناس بحيث لم يبق بيت إلّا طار فيه على ما قيل « 1 » . وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ قولا ليس معناه في قلوبكم لكونه ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ واعتقاد ، مع أنّ الواجب أن يكون القول ناشئا عن الاعتقاد بمدلوله في القلب وَتَحْسَبُونَهُ وتتوهّمونه هَيِّناً وسهلا لا تبعة له وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ وفي حكمه عَظِيمٌ غايته لاستتباعه الذلّ والهوان في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة ، فانّ الافتراء على المؤمن خصوصا مثل هذا الافتراء الذي ليس أعظم منه من أكبر الكبائر ، ولذا كان عذابه أشدّ العذاب وأعظمه . [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 16 إلى 18 ] وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ( 16 ) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 17 ) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 18 ) ثمّ بالغ سبحانه في توبيخ الخائضين في الإفك بقوله : وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ من المخترعين له قُلْتُمْ تكذيبا له وتبرّءا من موافقتهم ما يَكُونُ حلالا لَنا من جانب اللّه أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا الكلام الشنيع ، وهلّا قلتم تعجبا من إجترائهم على التفوّه به سُبْحانَكَ هذا الإفك الذي هو من أشنع الشنائع بُهْتانٌ وافتراء عَظِيمٌ عند اللّه ؟ لشدّة قبحه ، وسوء عاقبته ، ووضوح كذبه ، لدلالة العقل على امتناعه ، لكونه شينا على النبيّ المنزّه من كلّ شين . ثمّ زجرهم سبحانه من إتيان مثله بقوله : يَعِظُكُمُ اللَّهُ وينصحكم أيّها الخائضون في حديث الإفك بهذه المواعظ التي تعرفون بها عظمة هذا الذنب ، كراهة أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ وترتكبون نظيره في مدّة حياتكم أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ باللّه ورسوله واليوم الآخر ، فانّ الايمان أقوى الروادع من المعاصي ، وفيه تهييج وتقريع . ثمّ نبّه سبحانه على عظيم منّته بقوله : وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الدالة على الشرائع ومحاسن
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 23 : 179 ، تفسير روح البيان 6 : 127 .