الشيخ محمد النهاوندي
400
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 115 إلى 116 ] أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ( 116 ) ثمّ وبّخهم سبحانه على إنكارهم البعث مع دلالة البرهان القاطع عليه وغفلتهم عنه بقوله : أَ فَحَسِبْتُمْ قيل : التقدير أغفلتم عن البعث فحسبتم « 1 » أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ولعبا بلا حكمة وصلاح وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ بل تموتون وتفتّتون « 2 » . عن الصادق عليه السّلام : « أنّ اللّه تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثا ، ولم يتركهم سدى ، بل خلقهم لاظهار قدرته ، وليكلّفهم طاعته ، فيستوجبوا بذلك رضوانه ، وما خلقهم ليجلب منهم منفعة ، ولا ليدفع بهم مضرّة ، بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم إلى النعيم » « 3 » . وعنه عليه السّلام أنّه قيل له : خلقنا للفناء ؟ فقال : « خلقنا للبقاء ، وكيف وجنّته لا تبيد ، وناره « 4 » لا تخمد ، ولكن [ قل : ] إنّما نتحوّل من دار إلى دار » « 5 » . ثّم نزّه سبحانه ذاته المقدسة عن العبث بقوله : فَتَعالَى اللَّهُ وارتفع بذاته عن العبث ، وتقدّس عن اللغو ، وتنزّه عن فعل ما لا حكمة فيه لأنّه الْمَلِكُ الْحَقُّ والسلطان الحقيق بالسلطنة ، الغنيّ بذاته عمّا سواه ، وكلّ شيء محتاج إليه . قيل : إنّ الحقّ هو الموجد للشيء بمقتضى الحكمة « 6 » ، والثابت الذي لا يزول ذاته ، ولا يبيد ملكه وقدرته ، ولذا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ولا معبود سواه . ثمّ قرّر كمال سلطنته واستحقاقه العبادة بقوله : رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ فكيف بما هو دونه وتحته ، وإنما وصف العرش بالكريم لنزول الرحمة والبركات منه ، أو لانتسابه إلى اللّه الكريم . وقيل : إنّ المراد بالعرش هنا السماوات وما فيها « 7 » . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 117 إلى 118 ] وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 117 ) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 118 ) ثمّ هدّد المشركين بقوله : وَمَنْ يَدْعُ ويعبد مَعَ اللَّهِ المتفرّد بالألوهية إِلهاً ومعبودا آخَرَ مع أنّه لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ولا حجّة على جواز عبادته فَإِنَّما حِسابُهُ وجزاؤه اللائق به
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 6 : 111 . ( 2 ) . في النسخة : وتفتّون . ( 3 ) . علل الشرائع : 9 / 2 ، تفسير الصافي 3 : 412 . ( 4 ) . في علل الشرائع : وكيف تفنى جنة لا تبيد ، ونار . ( 5 ) . علل الشرائع : 11 / 5 ، تفسير الصافي 3 : 412 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 6 : 112 . ( 7 ) . تفسير الرازي 23 : 128 .