الشيخ محمد النهاوندي

399

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

سِخْرِيًّا وتشاغلتم بالاستهزاء بهم حَتَّى أَنْسَوْكُمْ أولئك المؤمنون بسبب الاستهزاء بهم ذِكْرِي والتدبّر في آياتي ، وأداء شكري ، والعمل بطاعتي ، فلم تخافوني في الإهانة بأوليائي وَكُنْتُمْ مبالغين في الاستهزاء بهم ، حتّى إنّكم كنتم مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ . قيل : إن رؤساء قريش كأبي جهل وعتبة وأبي بن خلف ، كانوا يستهزئون بأصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، ويضحكون بالفقراء منهم مثل بلال وخبّاب وعمّار وصهيب « 1 » . ثمّ بيّن سبحانه من حال المؤمنين عنده ما يوجب ازدياد أسف المستهزئين وحسرتهم بقوله : إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ الجنّة ونعمها بِما صَبَرُوا على استهزائكم بهم وإيذائكم لهم أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ بجميع مقاصدهم من الايمان والأعمال الصالحة والنّعم الأخروية . ثمّ أنّه تعالى بعد إقناطهم من الرجوع إلى الدنيا قالَ لهم تذكيرا لقلّة مكثهم فيها ، أو قال الملك المأمور بالسؤال عنهم : كَمْ لَبِثْتُمْ وأيّ مقدار من الزمان مكثتم فِي الْأَرْضِ التي تدّعون الرجوع إليها عَدَدَ سِنِينَ ومن حيث تعداد الأعوام قالُوا استقصارا لمدة لبثهم فيها بالنسبة إلى مدّة إقامتهم في النار ، أو بالنظر إلى انقضائها ، فإنّ المنقضي في النظر قليل ، أو بالنظر إلى كونها أيّام سرورهم وهي قصار : لَبِثْنا ومكثنا فيها يَوْماً واحدا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وإن أردت تحقيق المدّة فَسْئَلِ الْعادِّينَ والمتمكّنين من تعداد الأيام والسنين ، فانّا بسبب ما دهمنا من العذاب لا يمكننا إحصاؤها . وقيل : إنّ المراد من العادّين الملائكة العادّون لأعمار الناس وأنفاسهم وأعمالهم « 2 » . القمي ، قال : يعني سل الملائكة الذين يعدّون علينا الأيام ، ويكتبون ساعاتنا وأعمالنا التي اكتسبناها فيها « 3 » . قالَ اللّه تعالى أو الملك : إِنْ لَبِثْتُمْ وما مكثتم في الدنيا متمتّعين بنعمها إِلَّا زمانا قَلِيلًا لم يكن للعاقل أن يعتدّ بالتنعّم والتلذّذ فيه ، وأنتم انهمكتم في الشهوات في ذلك الزمان القليل ، وغفلتم عن سوء العاقبة ، وأتّبعتم هوى أنفسكم ، وهيّأتم لها بأعمالكم العذاب المخلّد ، وأهلكتموها إلى الأبد ، وحرمتموها من النّعم التي ليس لها حدّ و لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سوء عاقبة التنعّم في الدنيا والغفلة عن الآخرة ، لما فعلتم ما فعلتم ، أو لو كنتم تعلمون الحشر والبعث لعلمتم قلّة لبثكم في الدنيا كما علمتم اليوم .

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 23 : 125 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 6 : 110 . ( 3 ) . تفسير القمي 2 : 95 تفسير الصافي 3 : 412 .