الشيخ محمد النهاوندي

396

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

إن كان عفوك لا يرجوه ذو سرف « 1 » * فمن يجود على العاصين بالكرم ثمّ رفع رأسه نحو السماء ، وهو ينادي : « يا إلهي وسيدي ومولاي ، إن أطعتك فلك المنّة عليّ ، وإن عصيتك فبجهلي فلك الحجّة عليّ ، اللهم فبإظهار منّتك عليّ وإثبات حجّتك لديّ ارحمني واغفر لي ذنوبي ، ولا تحرمني رؤية جدّي وقرة عيني وحبيبك وصفيّك ونبيّك محمّد صلّى اللّه عليه وآله » ، ثمّ أنشأ يقول : ألا أيّها المأمول في كلّ شدة * إليك شكوت الضرّ فارحم شكايتي ألا يا رجائي أنت كاشف كربتي * فهب لي ذنوبي كلّها واقض حاجتي فزادي قليل لا أراه مبلّغي * على الزاد أبكي أم لطول « 2 » مسافتي أتيت بأعمال قباح رديّة * وما في الورى عبد « 3 » جنى كجنايتي فكان يكرّر هذه الأبيات حتى سقط مغشيا عليه ، فدنوت منه فإذا هو زين العابدين علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام ، فوضعت رأسه في حجري ، وبكيت لبكائه بكاء شديدا شفقة عليه ، فقطر من دموعي على وجهه ، فأفاق من غشيته وفتح عينيه وقال : « من الذي شغلني عن ذكر مولاي ؟ » فقلت : أنا الأصمعي يا سيدي ، ما هذا البكاء ، وما هذا الجزع ، وأنت من أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ؟ أليس اللّه يقول : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ؟ ! « 4 » قال : فاستوى جالسا ، وقال : « يا أصمعي هيهات ، إنّ اللّه خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبدا حبشيا ، وخلق النار لمن عصاه وإن كان ملكا قرشيا ، أما سمعت قول اللّه تعالى : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ » « 5 » . واعترض بعض الملاحدة على القرآن المجيد بوقوع التناقض بين قوله : وَلا يَتَساءَلُونَ وقوله : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً « 6 » وبين قوله : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ « 7 » وقوله : يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ « 8 » وقد مرّ الجواب عنه في بعض الطرائف « 9 » . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 102 إلى 104 ] فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 102 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ( 103 ) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ ( 104 )

--> ( 1 ) . في المصدر : جرم . ( 2 ) . في المصدر : لبعد . ( 3 ) . في المصدر : خلق . ( 4 ) . الأحزاب : 33 / 33 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 6 : 107 . ( 6 ) . المعارج : 70 / 10 . ( 7 ) . الصافات : 37 / 27 . ( 8 ) . يونس : 10 / 45 . ( 9 ) . تقدم في الطرفة ( 26 ) من مقدمة المصنف .