الشيخ محمد النهاوندي
397
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ بيّن سبحانه كيفية المحاسبة وحسن حال المؤمنين بقوله : فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ورجحت حسناته على سيئاته في ميزان الأعمال فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالجنّة والنّعم الدائمة . ثمّ بيّن سوء حال الكفّار بقوله : وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ورجحت سيئاته على حسناته فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا وأضرّوا أَنْفُسَهُمْ بتضييع ما أعطاهم اللّه من الاستعداد والجوارح والقوى الظاهرية والباطنية والعمر والعقل ، ليحصّلوا بها السعادة الأبدية والنّعم الدائمة . عن ابن عبّاس : يعني غبنوا بها « 1 » بأن صارت منازلهم في الجنة للمؤمنين « 2 » . وقيل : يعني امتنع انتفاعهم بأنفسهم لكونهم في العذاب « 3 » . وهم فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ومقيمون أبدا . ثمّ بيّن سبحانه بعض شدائد عذابهم في جهنّم تهويلا للقلوب بقوله : تَلْفَحُ وتحرق وُجُوهَهُمُ النَّارُ عن ابن عباس : أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم « 4 » وَهُمْ فِيها كالِحُونَ ومتقلّصو الشّفتين من شدّة الاحتراق . عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال : « تشويه النار ، فتتقلّص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه ، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرّته » « 5 » . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 105 إلى 108 ] أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 105 ) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ ( 106 ) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ ( 107 ) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ( 108 ) ثمّ بيّن عذابهم الروحاني بتقريعهم وتوبيخهم بقوله : أَ لَمْ تَكُنْ أيّها المشركون آياتِي ومواعظي وزواجري تُتْلى وتقرأ عَلَيْكُمْ في الدنيا فَكُنْتُمْ بِها حينئذ تُكَذِّبُونَ وتستهزئون قالُوا اعترافا بتقصيرهم : يا رَبَّنا غَلَبَتْ واستولت عَلَيْنا شِقْوَتُنا وملكتنا شهواتنا المؤدية إلى العاقبة السيئة والجحيم الحاطمة . عن الصادق عليه السّلام : « بالأعمال شقوا » « 6 » ففعلنا ما فعلنا من تكذيب الرسل والآيات والأعمال القبيحة وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ وناسا منحرفين عن الصراط المستقيم ، وسالكين طريق الجحيم حتى وقعنا فيها رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها وأعدنا إلى الدنيا فَإِنْ عُدْنا إلى ما كنّا فيه من الشّرك والتكذيب فَإِنَّا ظالِمُونَ ومبالغون في التعدّي عن حدود
--> ( 1 ) . في تفسير الرازي : غبنوها . ( 2 و 3 و 4 ) . تفسير الرازي 23 : 123 . ( 5 ) . تفسير الرازي 23 : 123 ، تفسير روح البيان 6 : 109 . ( 6 ) . التوحيد : 356 / 2 ، تفسير الصافي 3 : 411 ، وفيهما : بأعمالهم شقوا .