الشيخ محمد النهاوندي
15
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ قال لي : ماذا رأيت في مسيرك ؟ فقلت : ناداني مناد عن يميني . فقال لي : أو أجبته . قلت : لا ولم التفت إليه . قال : ذلك داعي اليهود ، ولو أجبته لتهوّدت امّتك من بعدك . ثمّ قال : ماذا رأيت ؟ فقلت : ناداني مناد عن يساري . فقال لي : أو أجبته ؟ فقلت : لا ، ولم التفت إليه . فقال : ذاك داعي النصارى ، ولو أجبته لتنصّرت أمتك من بعدك . ثمّ قال : ماذا استقبلك ؟ فقلت : لقيت امرأة كاشفة عن ذراعيها عليها من كلّ زينة الدنيا . فقالت : يا محمّد ، انظرني حتّى اكلّمك . فقال لي : أفكلّمتها ؟ فقلت : لم اكلّمها ولم التفت إليها . فقال : تلك الدنيا ، ولو كلّمتها لاختارت امّتك الدنيا على الآخرة . ثمّ سمعت صوتا أفزعني ، فقال لي [ جبرئيل : ] تسمع يا محمّد ؟ قلت : نعم . قال : هذه صخرة قذفتها على شفير جهنّم منذ سبعين عاما ، فهذا حين استقرّت . قالوا : فما ضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حتّى قبض . قال : فصعد جبرئيل وصعدت معه إلى سماء الدنيا وعليها ملك يقال له إسماعيل ، وهو صاحب الخطفة التي قال اللّه تعالى : إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ « 1 » وتحته سبعون ألف ملك ، تحت كلّ ملك سبعون ألف ملك : فقال : يا جبرئيل ، من معك ؟ فقال : محمّد . قال : أو قد بعث ؟ قال : نعم ، ثمّ فتح الباب ، فسلّمت عليه وسلّم عليّ ، واستغفرت له واستغفر لي ، وقال : مرحبا بالأخ الناصح والنبيّ الصالح ، وتلقّتني الملائكة حتى دخلت سماء الدنيا ، فما لقيني ملك إلّا كان ضاحكا مستبشرا حتى لقيني ملك من الملائكة لم أر خلقا أعظم منه ، كريه المنظر ، ظاهر الغضب . فقال لي مثل ما قالوا من الدعاء إلّا أنّه لم يضحك ، ولم أر فيه [ من ] الاستبشار ما رأيت ممّن ضحك من الملائكة . فقلت : من هذا يا جبرئيل ، فإنيّ قد فزعت منه ؟ فقال : يحقّ أن تفزع منه ، وكلّنا نفزع منه ، إن هذا مالك خازن النار ، لم يضحك قطّ ، ولم يزل منذ ولّاه اللّه جهنّم يزداد غضبا وغيظا على أعداء اللّه وأهل معصيته ، فينتقم اللّه به منهم ، ولو ضحك إلى أحد كان قبلك ، أو كان ضاحكا إلى أحد بعدك ، لضحك إليك ، ولكنّه لا يضحك . فسلّمت عليه فردّ السّلام عليّ ، وبشّرني بالجنة . فقلت لجبرئيل وهو بالمكان الذي وصفه اللّه : مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ « 2 » : ألا تأمره أن يريني النار ؟ فقال له جبرئيل : يا مالك ، أر محمّدا النار . فكشف عنها غطاءها ، وفتح بابا منها ، [ فخرج ] لهيب ساطع في السماوات ، وفارت وارتفعت حتى ظننت ليتناولني ممّا رأيت . فقلت : يا جبرئيل ، قل له فليردّ عليها غطاءها ، فأمرها وقال : ارجعي ، فرجعت إلى مكانها الذي خرجت منه . ثمّ مضيت فرأيت رجلا آدما « 3 » جسيما فقالت : من هذا يا جبرئيل ؟ فقال : هذا أبوك آدم . فإذا هو
--> ( 1 ) . الصافات : 37 / 10 . ( 2 ) . التكوير : 81 / 21 . ( 3 ) . الآدم من الناس : الأسمر .