الشيخ محمد النهاوندي

9

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ أنّهم ندموا من عملهم الشّنيع بسعي هارون ومواعظه البليغة وَلَمَّا سُقِطَ رؤوسهم فِي أَيْدِيهِمْ وندموا . قيل : إنّ السّقوط في اليد كناية عن شدّة النّدامة ؛ لأنّ النادم يضع غالبا رأسه على يده « 1 » وَرَأَوْا وتبيّنوا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا عن الطّريق الحقّ بعبادتهم العجل حتّى كأنّهم لشدّة وضوحه عاينوه بأبصارهم قالُوا تحسّرا وندامة : واللّه لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا ويتفضّل علينا رَبُّنا بإنعامه وَيَغْفِرْ لَنا ويتجاوز عن خطيئتنا بكرمه لَنَكُونَنَّ ألبتّة مِنَ الْخاسِرِينَ والهالكين . وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى من الميقات إِلى قَوْمِهِ حال كونه غَضْبانَ عليهم لعبادتهم العجل أَسِفاً شديد الحزن ، لأنّ اللّه فتنهم ، ثمّ وبّخهم و قالَ : يا قوم بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي وساء ما عملتم مِنْ بَعْدِي وفي زمان غيبتي وذهابي إلى ميقات ربّي ، حيث عبدتم العجل وأشركتم باللّه ، أو بعد ما رأيتم منّي التّوحيد ونفي الشّريك عن اللّه . ثمّ لامهم على ترك انتظارهم رجوعه بقوله : أَ عَجِلْتُمْ وتركتم أَمْرَ رَبِّكُمْ بتوحيده وحفظ عهدي وانتظار رجوعي وَأَلْقَى من يده الْأَلْواحَ وطرحها على الأرض من شدّة غضبه للّه ، وفرط انضجاره من قومه حميّة للّدين . روي أنّه لمّا ألقاها انكسرت فذهب بعضها « 2 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « أنّ منها ما تكسّر ، ومنها ما بقي ، ومنها ما ارتفع » « 3 » . وعن الباقر عليه السّلام : أنّه عرّف يمانيّ صخرة باليمن ، ثمّ قال : « تلك الصخرة التي التقمت ما ذهب من التّوراة حين ألقى موسى عليه السّلام الألواح ، فلمّا بعث اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وآله أدّته إليه وهي عندنا » . « 4 » . وروي أنّها كانت سبعة أسباع ، فلمّا ألقى الألواح تكسّرت فرفع منها ستّة أسباع وبقي سبع [ واحد ] ، وكان فيما رفع تفصيل كلّ شيء ، وفيما بقي الهدى والرّحمة « 5 » . وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « رحم اللّه أخي موسى ، ليس المخبر كالمعاين ، لقد أخبره اللّه بفتنة قومه ، ولقد عرّف أن ما اخبر به حقّ ، وأنّه على ذلك لمتمسّك بما في يديه ، فرجع إلى قومه ورآهم ، فغضب

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 15 : 8 . ( 2 ) . تفسير الصافي 2 : 239 . ( 3 ) . بصائر الدرجات : 161 / 6 ، تفسير الصافي 2 : 239 . ( 4 ) . بصائر الدرجات : 157 / 7 ، تفسير الصافي 2 : 239 . ( 5 ) . تفسير الرازي 15 : 11 .