الشيخ محمد النهاوندي

8

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

قيل : إنّ موسى عليه السّلام وعد قومه بالانطلاق إلى الجبل ثلاثين يوما ، فلمّا تأخّر رجوعه قال لهم السّامريّ - وكان رجلا من قرية يقال لها سامرة ، وكان مطاعا في بني إسرائيل ذا قدر - : إنّكم أخذتم الحليّ من آل فرعون فعاقبكم اللّه بتلك الخيانة ، ومنع موسى عنكم . وذلك أنّ بني إسرائيل كان لهم عيد يتزيّنون فيه ويستعيرون الحليّ من القبط ، فاستعاروا حليّ القبط لذلك ، فلمّا أغرق اللّه القبط بقيت تلك الحليّ في أيدي بني إسرائيل ، فقال لهم السّامريّ : اجمعوا الحلّي حتّى احرقها لعلّ اللّه يردّ علينا موسى « 1 » . وقيل : سألوه إلها يعبدونه ، وقد كان لهم ميلا إلى عبادة البقر منذ مرّوا على العمالقة الّذين كانوا يعبدون تماثيل البقر ، فجعل السّامريّ الحلّي بعد جمعها في النّار ، وصاغ لهم من ذلك عجلا لأنّه كان صائغا ، وألقى في فمه ترابا أخذه من أثر فرس جبرئيل ؛ وكان ذلك الفرس فرس الحياة ما وضع حافره على شيء إلّا اخضرّ ، وكان قد أخذ ذلك التّراب عند فلق البحر ، أو عند توجّهه إلى الطّور ، فانقلب ذلك الجسد لحما ودما ، وظهر منه خوار وحركة ومشي ، فقال السامريّ : هذا إلهكم وإله موسى ، فعبدوه إلّا اثني عشر ألفا من ستمائة ألف « 2 » . وقيل : إنّه جعل ذلك العجل مجوّفا ، وجعل في جوفه أنابيب على شكل مخصوص ، وكان [ قد ] وضع التّمثال على مهبّ الرّيح ، تدخل من تلك الأنابيب ، فظهر منه صوت مخصوص يشبه خوار العجل ، فأوهم بني إسرائيل أنّه هو يخور « 3 » . أقول : هذا مخالف للقرآن والأحاديث . ثمّ وبّخ اللّه بني إسرائيل على عبادتهم ذلك العجل وقولهم بالوهيّته بقوله : أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ بكلام البشر وَلا يَهْدِيهِمْ إلى الخير سَبِيلًا ولا يرشدهم إلى الحقّ طريقا ، مع أنّ اللّه يكلّم موسى عليه السّلام ويشرّع الشّريعة الموصلة إلى كلّ خير ، وهم مع الوصف لغاية جهلهم اتَّخَذُوهُ إلها وحسبوه خالقا معبودا وَكانُوا في عبادتهم تلك ظالِمِينَ على اللّه بتضييع حقّه وحطّ شأنه ، وعلى أنفسهم بتعريضها للهلاك . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 149 إلى 151 ] وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 149 ) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 150 ) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 151 )

--> ( 1 و 2 و 3 ) . تفسير روح البيان 3 : 242 .