الشيخ محمد النهاوندي

32

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

قليلا فربضت ، فنزل عنها فضربها حتّى كاد يهلكها فقامت فركبها ، فربضت [ فضربها ] ، فأنطقها اللّه تعالى فقالت : يا بلعم ، ويحك أين تذهب ، ألا ترى إلى هؤلاء الملائكة أمامي يردّونني عن وجهي ، فكيف تريد أن تذهب لتدعو على نبي اللّه وعلى المؤمنين ؟ ! فخلّى سبيلها ، وانطلق حتّى وصل إلى الجبل وجعل يدعو ، فكان لا يدعو بسوء إلّا صرف اللّه به لسانه على قومه ، ولا يدعو بخير إلّا صرف به لسانه إلى موسى . فقال له قومه : يا بلعم ، إنّما أنت تدعو علينا وتدعو له ، فقال : هذا واللّه الذي أملكه ، وأنطق اللّه به لساني . ثمّ امتدّ لسانه حتّى بلغ صدره فقال لهم : واللّه قد ذهبت منّي الآن الدّنيا والآخرة ، فلم يبق إلّا المكر والحيلة ، فسأمكر لكم وأحتال ، حلّوا النّساء وزيّنوهنّ وأعطوهنّ الطّيب ، وأرسلوهنّ إلى العسكر ، وآمروهنّ لا تمنع امرأة نفسها عن رجل أرادها ، فإنّهم إن زنى منهم رجل واحد كفيتموهم ؛ ففعلوا . فلمّا دخلت النّساء العسكر مرّت امرأة منهم برجل من عظماء بني إسرائيل ، فقام إليها وأخذ بيدها حين أعجبته بحسنها ، ثمّ أقبل بها إلى موسى عليه السّلام فقال له : إنّي لأظنّك أن تقول : هذه حرام ، قال : نعم ، هي حرام عليك ، لا تقربها ، قال : فو اللّه لا نطيعك في هذا . ثمّ دخل بها قبّته فوقع عليها ، فأرسل اللّه على بني إسرائيل الطّاعون في الوقت . وكان فنحاص بن عازورا « 1 » صاحب أمر موسى عليه السّلام رجلا له بسطة في الخلق وقوّة في البطش ، وكان غائبا حين صنع ذلك الرّجل بالمرأة ما صنع ، فجاء والطاعون يجوس في بني إسرائيل ، فأخبر الخبر ، فأخذ حربته وكانت من حديد كلّها ، ثمّ دخل القبّة فوجدهما متضاجعين ، فدقّهما بحربته حتّى انتظمهما بها جميعا ، فخرج بهما يحملهما بالحربة وأعقابهما « 2 » إلى السّماء ، والحربة قد أخذها بذراعه ، واعتمد بمرفقه ، وأسند الحربة إلى لحيته ، وجعل يقول : اللّهم هكذا نفعل بمن يعصيك ، فرفع الطاعون من حينئذ عنهم ، فحسب من هلك من بني إسرائيل في ذلك الطّاعون ، فوجدهم سبعين ألفا في ساعة من نهار ، وهو ما بين أن زنى الرّجل بها إلى أن قتل . ثمّ أنّ موسى عليه السّلام وفتاه يوشع بن نون حاربوا أهل تلك البلدة وغلبوهم ، وقتلوا منهم وأسروا ، وأتوا ببلعم أسيرا فقتل ، وجاءوا بما قبل من العطايا الكثيرة وغنموها « 3 » . عن القمّي رحمه اللّه : نزلت في بلعم بن باعورا ، وكان من بني إسرائيل ، أوتي علم بعض الكتب « 4 » . وفي ( المجمع ) : عن الباقر عليه السّلام : « الأصل فيه بلعم ، ثمّ ضربه اللّه مثلا لكلّ مؤثر هواه على هدى اللّه

--> ( 1 ) . في تفسير روح البيان : فخاض بن العيزار . ( 2 ) . في تفسير روح البيان : بالحربة رافعا بهما . ( 3 ) . تفسير روح البيان 3 : 277 . ( 4 ) . تفسير القمي 1 : 248 ، تفسير الصافي 2 : 253 .