الشيخ محمد النهاوندي
31
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
عليهما ، ولذا اقتدينا بهم وقلّدناهم أَ تأخذنا فَتُهْلِكُنا بالعذاب بِما فَعَلَ قدماؤنا الْمُبْطِلُونَ المضلّون وَكَذلِكَ التفصيل والشرّح البليغ البديع النّافع نُفَصِّلُ ونشرح الْآياتِ الدالّة على صدق القرآن وصحّة نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، ليقفوا على ما فيها وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن الكفر إلى الإسلام ، وعن الباطل إلى الحقّ . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 175 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( 175 ) ثمّ أنّه تعالى بعد تنبيه اليهود على نعمه العظيمة الجسمانيّة والرّوحانيّة وأخذ العهد منهم على العمل بالتّوراة ، بيّن أنّ أزهدهم وأعلمهم عصى وأعرض عن الهدى فضلا عن غيره بقوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ يا محمّد نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ وعلّمناه آياتِنا المنزلة والكتب السماويّة والاسم الأعظم ، بحيث شملته تلك كالشّملة « 1 » ، بل كالجلد على بدنه فَانْسَلَخَ وانخلع مِنْها بالكلّية لغلبة النّفس عليه فَأَتْبَعَهُ وأدركه الشَّيْطانُ بعد أن كان ساعيا في لحوقه وإدراكه فَكانَ ذلك العالم - بانسلاخه من العلم وغلبة النّفس والشّيطان عليه - مِنَ الْغاوِينَ والرّاسخين في الغواية والضّلال . قصة بلعم بن باعورا وعن ابن عبّاس وابن مسعود قالا : كان هو عابدا من عبّاد بني إسرائيل ، وكان في المدينة التي قصدها موسى عليه السّلام ، وكان أهل تلك المدينة كفّارا ، وكان عنده اسم اللّه الأعظم ، فسأله ملكهم أن يدعو على موسى عليه السّلام بالاسم الأعظم ليدفعه عن تلك المدينة فقال لهم : دينه وديني واحد ، وهذا شيء لا يكون ، وكيف أدعو عليه وهو نبيّ اللّه ومعه الملائكة والمؤمنون ؟ وأنا أعلم من اللّه ما أعلم ، وإنّي إن فعلت ذلك أذهبت دنياي وآخرتي . فلم يزالوا به يفتنونه بالمال والهدايا حتّى فتنوه ، فافتتن « 2 » . قيل : كانت لهذا الرّجل الذي اسمه بلعم امرأة يحبّها ويطيعها ، فجمع قومه هدايا عظيمة فأتوا بها إليها وقبلتها ، فقالوا لها : قد نزل بنا ما ترين ، فكلّمي بلعم في هذا ، فقالت لبلعم : إنّ لهؤلاء القوم حقّا وجوارا عليك ، وليس مثلك يخذل جيرانه عند الشدائد ، وقد كانوا محسنين إليك ، وأنت جدير أن تكافئهم وتهتمّ بأمرهم ، فقال لها : لولا أنّي أعلم أنّ هذا الأمر من عند اللّه لأجبتهم . فلم تزل به حتّى صرفته عن رأيه ، فركب أتانا له متوجّها إلى الجبل ليدعو على موسى عليه السّلام ، فما سار على الأتان إلّا
--> ( 1 ) . الشّملة : ثوب يتوشّح به ، أو كساء من صوف أو شعر يتغطّى به . ( 2 ) . تفسير روح البيان 3 : 276 .