الشيخ محمد النهاوندي
28
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وقلنا لهم : خُذُوا يا بني إسرائيل ما آتَيْناكُمْ من الكتاب والأحكام التي فيه بِقُوَّةٍ وجدّ وعزيمة على تحمّل المشاقّ وَاذْكُرُوا واحفظوا ما فِيهِ من الأحكام والعهود ، بالعمل والوفاء بها ، ولا تتركوها كالمنسيّ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ رذائل الخصال ، وسيّئات الأعمال ، وعذاب اللّه المتعال . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 172 إلى 174 ] وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( 173 ) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 174 ) ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر أخذ الميثاق من بني إسرائيل على العمل بالتّوراة ، ذكر أخذه الميثاق من بني آدم في عالم الذرّ على الإقرار بتوحيده ورسالة رسله بقوله : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ وأخرج مِنْ بَنِي آدَمَ أعني مِنْ ظُهُورِهِمْ وأصلابهم ذُرِّيَّتَهُمْ ونسلهم طبقة ، بعد طبقة كما يتوالدون في الدّنيا وَأَشْهَدَهُمْ وأخذ الإقرار منهم عَلى أَنْفُسِهِمْ بتوحيده وربوبيّته ، بأن قال لهم تقريرا : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ومالك أمركم ، والمتصرّف فيكم إيجادا وإعداما وتدبيرا ، لا شريك لي ولا ندّ ؟ قالُوا بَلى شَهِدْنا وأعترفنا بربوبيّتك ووحدانيّتك . في أخذ الاقرار بالتوحيد في عالم الذرّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال : « لمّا خلق اللّه آدم مسح ظهره ، فسقط من ظهره كلّ نسمة من ذريّته إلى يوم القيامة » « 1 » . وعن مقاتل : أنّ اللّه مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فخرجت منه ذريّة بيضاء كهيئة الذرّ تتحرّك ، ثمّ مسح صفحة ظهره اليسرى فخرجت منه ذريّة سوداء كهيئة الذرّ ، فقال : يا آدم ، هؤلاء ذريّتك . ثم قال : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فقال للبيض : هؤلاء في الجنّة برحمتي ، وهم أصحاب اليمين ، وقال للسّود : هؤلاء في النّار ولا أبالي ، وهم أصحاب الشّمال وأصحاب المشئمة . ثمّ أعادهم جميعا في صلب آدم ، فأهل القبور محبوسون حتّى يخرج أهل الميثاق كلّهم من أصلاب الرّجال وأرحام النّساء ، وقال تعالى في من نقض العهد الأوّل : وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ « 2 » . وعن ابن عبّاس : أنّه أبصر آدم في ذريّته قوما لهم نور فقال : يا ربّ ، من هم ؟ فقال : الأنبياء « 3 » الخبر . وعن الصادق عليه السّلام أنّه سئل عن هذه الآية ، فقال وأبوه يسمع : « حدّثني أبي أنّ اللّه عزّ وجلّ قبض
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 15 : 46 . ( 2 ) . تفسير الرازي 15 : 46 ، والآية من سورة الأعراف : 7 / 102 . ( 3 ) . تفسير الرازي 15 : 47 .