الشيخ محمد النهاوندي
29
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
قبضة من تراب التّربة التي خلق منها آدم ، فصبّ فيها الماء العذب الفرات ، ثمّ تركها أربعين صباحا ، [ ثمّ صبّ عليها الماء المالح الأجاج فتركها أربعين صباحا ] ، فلمّا اختمرت الطّينة أخذها فعركها عركا شديدا ، فخرجوا كالذرّ من يمينه وشماله ، وأمرهم جميعا أن يقعوا في النّار ، فدخل أصحاب اليمين فصارت عليهم بردا وسلاما ، وأبى أصحاب الشّمال أن يدخلوها » « 1 » . وعن الباقر عليه السّلام أنّه سئل عن هذه الآية ، فقال : « أخرج من ظهر آدم ذريّته إلى يوم القيامة ؛ فخرجوا كالذرّ ، فعرّفهم نفسه ، [ وأراهم صنعه ] « 2 » ولولا ذلك لم يعرف أحد ربّه » « 3 » . وعن الصادق عليه السّلام أنّه سئل : كيف أجابوا وهم ذرّ ؟ فقال : « جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه » « 4 » . وعنه عليه السّلام : « لمّا أراد اللّه أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه ، فقال لهم : من ربّكم ؟ فأوّل من نطق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأمير المؤمنين والأئمّة عليهم السّلام فقالوا : أنت ربّنا ، فحمّلهم العلم والدّين . ثمّ قال للملائكة : [ هؤلاء حملة ديني وعلمي وامنائي في خلقي وهم المسؤولون . ثم قال لبني آدم : أقرّوا للّه بالربوبية ولهؤلاء النفر بالولاية والطاعة ، فقالوا : نعم ربنا أقررنا ، فقال اللّه للملائكة : ] اشهدوا ، فقال الملائكة : شهدنا [ على أن لا يقولوا غدا : إنا كنّا عن هذا غافلين ، أو يقولوا : إنما أشرك آباؤنا ] » « 5 » . وعن القمّي رحمه اللّه عنه عليه السّلام في هذه الآية ، أنّه سئل : معاينة كان هذا ؟ قال : « نعم ، فثبتت المعرفة ، ونسوا الموقف وسيذكرونه ، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ورازقه ، فمنهم من أقرّ بلسانه في الذرّ ، ولم يؤمن بقلبه فقال اللّه : فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ » « 6 » . أقول : نظائر هذه الأخبار كثيرة بحيث لو ادّعى أحد تواترها المعنوي أو الإجمالي لا يعدّ مجازفا ، فلا مناص من الالتزام والقول بوجود عالم الذرّ ، وعليه عامّة المفسّرين وأهل الأثر كما ادّعاه الفخر الرّازي ، ولا مجال لإنكاره وتأويل الأخبار بما نقله الفخر عن أصحاب النّظر وأرباب المعقولات من أنّه تعالى أخرج الذرية من أصلاب آبائهم ، وذلك الإخراج أنّهم كانوا نطفة ، فأخرجها اللّه تعالى في أرحام امّهاتهم ، وجعلها علقة ثمّ مضغة ، ثمّ جعلهم بشرا سوّيا وخلقا كاملا ، ثمّ أشهدهم على أنفسهم بما ركّب فيهم من دلائل وحدانيّته وعجائب خلقه وغرائب صنعه ، فبالإشهاد صاروا كأنّهم قالوا : بلى ،
--> ( 1 ) . تفسير العياشي 2 : 173 / 1652 ، الكافي 2 : 5 / 2 ، تفسير الصافي 2 : 252 . ( 2 ) . في تفسير العياشي : وأراهم نفسه ، وفي الكافي : فعرفهم وأراهم نفسه . ( 3 ) . تفسير العياشي 2 : 173 / 1654 ، الكافي 2 : 10 / 4 ، التوحيد : 330 / 9 ، تفسير الصافي 2 : 252 . ( 4 ) . تفسير العياشي 2 : 170 / 1647 ، تفسير الصافي 2 : 252 . ( 5 ) . الكافي 1 : 103 / 7 ، تفسير الصافي 2 : 252 . ( 6 ) . تفسير القمي 1 : 248 ، تفسير الصافي 2 : 252 ، والآية من سورة يونس : 10 / 74 .